‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 24 أغسطس 2023

أغسطس شهر المخرج حسين كمال.. الباحث عن سينما الناس

 

 


عماد خلاف

لم يكن أحد يتخيل أن الشاب الذي درس التجارة بتعليمات من والده  سوف يترك كل شيء من أجل محبوبته السينما التي عشقها بالصدفة، عندما قرر المسئولين الإدرايين في المدرسة التي كان يدرس بها قيام الطلاب بزيارة أستديو سينما، ومن هنا بدأت الحكاية السينمائية لـ حسين كمال، وظل مخلصاً لها حتي النهاية.

تركيبة المخرج حسين كمال الجينية المعقدة التي تنحدر من أم يونانية وأب صعيدي مصري جعلته حائراً بين الخضوع والتمرد، حتي زرعت والدته داخله بقعة النور التي أضاءت حياته وحولته من شخص تابع لأب رافض أن يعمل نجله في السينما إلي المتمرد الأكبر علي الرجل الصعيدي المتزمت، من هنا وضع المخرج الشاب قدمه علي أول الطريق  وجعلت من حسين كمال رائد الواقعية، وراح يتنقل مابين الفيلم السياسي في «شيء من الخوف»، والفيلم الغنائي في «مولد يا دنيا»، ومسرحية «ريا وسكينة» هذه المسافة الشاسعة بين هذا وذاك جعلته يتقن إخراج أي حكاية فالموهبة راسخة في العقل والوجدان.

راح إلي فرنسا ودرس الإخراج والتمثيل هناك وعاد بلا عمل في عام 1954، وعن دراسته للتمثيل يقول حسين كمال أنه فعل ذلك حتي يكون قادراً علي قيادة الممثل، لتكون بدايته مع قصة للكاتب الدكتور مصطفي محمود ويتم تحويلها إلي فيلم بعنوان «المستحيل» عام 1965 ويحتل هذا الفيلم المركز رقم 62 في قائمة أفضل مائة فيلم في ذاكرة السينما المصرية حسب إستفتاء النقاد، ليقود حسين كمال مجموعة من الممثلين ومن أبرزهم كمال الشناوي، ونادية لطفي، وصلاح منصور، وكريمة مختار، وسناء جميل، وملك الجمل، وفتحية شاهين، القصة التي حولها إلي فيلم حسين كمال تبدو قصة الكثيرين في ذلك الوقت من الشبابـ، عندما يجبر الأب نجله علي الزواج من فتاة لا يحبها، سيطرة الأب كانت واضحة خلال أحداث الفيلم لكن التمرد علي حياته المملة بدأ من خلال زيارة الحانات والبحث عن الحب ليجد العشيقة  لكنها هي الأخري متزوجة، هذا الطريق المسدود بين العاشقين جعل المستحيل هو الطريق الوحيد الذي لا مفر منه، ليكون مشهد النهاية مخيب جداً عندما تهرب العشيقة ومن ورأها العشيق ليطفيء مصباح الكهرباء ليكون الظلام هو السمة المصاحبة لنهاية الفيلم.

  هذه البداية القوية وضعت حسين كمال في مرتبة أخري لدي النقاد حيث استقبلوا الفيلم بحفاوة كبيرة، ووضعوا الأسئلة كان من بينها هل سيستمر هذا المخرج في تألقه أم سيختفي، ولم يمر عام إلا وينطلق قطار الموهبة عند حسين كمال في فيلم هو الأجدر في تاريخ السينما  حيث حول قصة للكاتب الكبير يحيي حقي بعنوان «دماء وطين» في عام 1968 ليطلق علي الفيلم عنوان  «البوسطجي» سيناريو وحوار صبري موسي، بطولة شكري سرحان، وزيزي مصطفي ، وصلاح منصور، وسيف عبد الرحمن، وسهير المرشدي، وعبد الغني قمر، ويحتل الفيلم المركز 12 في قائم أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية حسب رأي النقاد.

ولم يمر عام إلا ويطلق حسين كمال القنبلة في وجه الجميع، ويحول رواية «شيء من الخوف» للكاتب ثروت أباظة إلي فيلم في عام 1969، ويمنع الفيلم لولا تدخل الرئيس جمال عبد الناصر، ويستقبل النقاد الفيلم ويشيد الكاتب محمود عبد الشكور بالفيلم من خلال كتابه الذي جاء بعنوان «كيف تشاهد فيلما»، ويختار صورة من الفيلم تجمع الفنانة شادية ومن وراءها يظهر الفنان محمود مرسي، ويعلق علي زوايا الصورة مؤكداً أن حسين كمال أنحاز إلي قؤادة، علي الرغم من أن شادية ضئيلة في الواقع مقارنة بمحمود مرسي، فإن اللقطة القريبة جعلت من وجهها يحتل مساحة أكبر في الكادر، وحاصرت عتريس في زواية ضئيلة تشغل بالكاد المساحة الثلث تقريباً، اللقطة تقول إن فؤادة التي  أجبرت علي الزواج من عتريس أقوي ممن أجبرها، هو الذي يبدو ضعيفا حائرا أمامها، كما أن فؤادة وهي تسير مرفوعة الرأس تعبير عن أصرارها علي رفض ما يفعله عتريس.

تحت عنوان إحنا بتوع الأتوبيس مقدمة في الفيلم السياسي هاجم الناقد الكبير سامي السلاموني السينما المصرية بأنها لم تكن محايدة في تناولها للتاريخ وإن لها موقف غير أخلاقي مبرراً ذلك بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تهاجم فترة سياسية معينة إلا بعد رحيلها، مؤكداً أن فيلم إحنا بتوع الأتوبيس جاء بعد انتهاء المرحلة السياسية  وبني فاروق صبري السيناريو له من كتاب جلال الدين الحمامصي  وإخرجه حسين كمال، وما جعله يشعر بالاكتئاب بعد مشاهدة الفيلم هو أنه ينطلق من مواقف حدثت بالفعل لكنه مع ذلك لم يرحب بالفيلم لأنه جاء متأخراً بعد رحيل النظام السياسي.

سامي السلاموني وصف حسين كمال بأنه مخرج جيد يملك أدوات سينمائية جيدة، ثم هو مخرج متميز في إطار الإنتاج التجاري للسينما المصرية الذي لا يحاول من خلاله أن يبتذل نفسه لكنه يعود مرة أخري ويهاجم المخرج قائلا: من حظ حسين كمال بالذات مخرج الأتوبيس إنه هو نفسه مخرج شيء من الخوف الذي قال مؤلفه ثروت أباظة إنه كان يهاجم بالرمز الممكن الوحيد في تلك الفترة، وكان نظام عبد الناصر هو حاضر وإن عتريس هو عبد الناصر وفؤادة هي مصر، ولكن الناقد السلاموني يعود الفضل لثروت أباظة الذي ينطلق من موقف سياسي واضح معلن، ولكن لا أعتقد أن حسين كمال في كلا الفيلمين معاً كان ينطلق من أي موقف سوي البحث عن مادة سينمائية مثيرة تسمح له بصنع فيلم جيد، العبارة الأخيرة التي كتبها السلاموني قد تبدو قاسية جداً علي مخرج بحجم حسين كمال، وأن كنت أعتقد أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون النجاح وليد الصدفة وإذا لم يكن حسين كمال له وجهة نظر فلم يكن  لدينا مجموعة كبيرة من الأفلام من بينها البوسطجي والنداهة وإمبراطورية ميم والعذراء والشعر الأبيض وغيرها من الأفلام التي تعتبر علامة في تاريخ السينما المصرية.

شارك حسين كمال في 47 عمل سينمائي أكثرهم روايات أدبية تم تحويلها إلي أفلام لمبدعين كبار من بينها المستحيل للدكتور مصطفي محمود، والبوسطجي يحيي حقي، كما قام بتحويل تسع روايات للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس من بينها أبي قوق الشجرة، ودمي ودوموعي وابتسامتي، ولا شيء يهم، وإمبراطورية ميم، وأرجوك أعطني هذا الدواء، والعذراء والشعر الأبيض، وأيام في الحلال، أما الروائي نجيب محفوظ فقد تعاون معه في بعض الأفلام وقام بتحويل رواياته إلي أفلام من بينها ثرثرة فوق النيل والحب تحت المطر والكاتب يوسف السباعي نحن لا نزرع الشوك، ومولد يا دنيا وحبيبي دائما والكاتب يوسف إدريس علي ورق سوليفان والنداهة،  وأبي فوق الشجرة وأنف وثلاث عيون.

حرص حسين كمال خلال مشواره الفني أن يكتشف الفنانين حيث ظهر محمود ياسين في فيلم «شيء من الخوف»، ويحكي المخرج عن اختياره له قائلا: محمود قال ست جمل فقط خلال الفيلم وكان أخرها جملة «والله ولبستني جلابية العيب  يا شيخ إبراهيم» وقولت له لو نطقت هذه الجملة كما أريد سوف أعمل منك أكبر نجم في مصر ساعتها بكي، ومحمود ياسين قال سأظل مديناً لحسين كمال طول عمري، وبشكل محدد فإن حسين كمال لعله المخرج الوحيد الذي يعلم عني ما لا أعلمه أنا عن نفسي، ويعرف ما أستطيع أن أقدمه أكثر مما أعرف أنا.

كما اكتشف عادل إمام في مسرحية ثورة قرية بالإضافة إلي سعيد صالح، واختار الفنان فاروق الفيشاوي ليشارك في فيلمه الأول «أرجوك أعطني هذا الدواء» والذي حصل الفيشاوي علي الكثير من الجوائز وأيضا فيلم «ديك البرابر» الذي تقمص فيه فاروق شخصية متخلف.

حسين كمال وصف فيفي عبدة بالست الشعبية القادرة علي مضغ اللبانة، وزاد عليها عبارة أخري قائلا: تطرقع بيها وكان يقصد اللبانة، مؤكداً أنه لا يوجد مثل تحية كاريوكا في فيلم شباب امرأة، كان نفسي أري معلمة وفيفي عدة كذلك قادرة علي لف الملاية علي وسطها، وتسير في الحارة وتهدها بجمالها مما جعله يستعين بها في فيلم "نور العيون".

حسين كمال مخرج ولد في17 أغسطس 1934 وتوفي في 23 مارس عام 2003، وأخرج مسرحية ريا وسكينة، ومسرحية الواد سيد الشغال، وعلشان خاطر عيونك، وفيلم نحن لا نزرع الشوك، وثرثرة فوق النيل، وأنف وثلاث عيون، والنداهة، وغيرها من الأعمال الفنية.

 

 

الجمعة، 3 ديسمبر 2021

ملك الترسو فريد شوقي: رأيت إعدام زوج عمتي

فريد شوقي


 كتب عماد خلاف

لقب بملك الترسو والسينما والفتوة، وغيرها من الألقاب التي ظلت تلاحق فريد شوقي طيلة حياته وبعد مماته، حصل علي جائزة الدولة عن قصة، "جعلوني مجرما"، وجائزة الإنتاج من مهرجان برلين عام 1994،  ووسام العلم عام 1955، كما كرمه مهرجان القاهرة السينمائي عام 1994، ولا يمكن أن ينسي زملاءه الفنانين تأسيسه اتحاد الفنانين في عام 1986، مسيرة حافلة بالأدوار السينمائية التي تألق فيها فريد شوقي.

من بين الحكايات القديمة التي رواها فريد شوقي في مذكراته ما حدث له في طفولته، قائلا: تقدم زوج عمتي بخطوات ثابته نحو المقصلة، لم يرتجف عندما وضعوا حبل المنشقة حول عنقه، ولم تذرف عيناه دمعة واحدة وهو يودع الحياة الوداع الأخير قبل أن يصل إلي سن الثلاثين، وسألوه السؤال التقليدي، ماذا تطلب يا محمود؟ ونظر إلي زوجته، عمتي الشابة البارعة الجمال التي وقفت وقلبها يتمزق وهي تري زوجها يساق أمامها إلي الموت دون أن تقدر علي الاعتراض، لحظة الوداع مؤثرة، ومنظر رهيب مفجع، وتعلقت نظراته الأخيرة بابنه، الطفل الصغير الراقد فوق صدر زوجته، لا يفهم سر دموع أمه، التي لا تتوقف، ولا يعرف لماذا يضعون هذا الحبل الغليظ حول رقبة أبيه

ولم يقل محمود إسماعيل زوج عمتي سوي جملة واحدة، "أنا وزوجتي وأبني فداء للوطن، ثم صمت إلي الأبد، واستمر نفس المنظر الكئيب، وتكرر ست مرات أخري، وتقدم عامل في السكة الحديد بنفس الثبات نحو حبل المشنقة ليسألوه نفس السؤال

-ماذا تطلب قبل الإعدام؟

وقال العامل الفقير الأمينن أنا مدين لعم حسنين البقال بمبلغ ثلاثة جنيهات وأربعين قرشا، أدفعوهم له بعد ما تشنقوني.

ثم تقدم الخمسة الأخرون ليسمعوا نفس السؤال، وليعيشوا نفس الموقف الرهيب الذي تنخلع وتهتز له أقوي وأقسي القلوب.

عادت عمتي لتقيم معنا في البيت لقد أصبحت أرملة وهي في قمة شبابها وجمالها وكان عزاؤها الوحيد أن زوجها محمود إسماعيل مات بطلا فهو رئيس جمعية اليد السوداء التي كانت تضم نخبة كبيرة من شباب مصر الوطنيين المخلصين الذين لم يكن لهم إلا هدف واحد، الكفاح ضد الاستعمار الإنجليزي.

لقد فوجئ الإنجليز بل فوجئت مصر كلها بنبأ مقتل السردار الحاكم الإنجليزي، ووجهت تهمة القتل إلي هؤلاء السبعة من خيرة شباب جمعية اليد السوداء، وضغط الإنجليز بشدة علي القضاء المصري لكي يصدر حكمة بالإعدام شنقا لرئيس الجمعية زوج عمتي وزملائه الست الأخرين.

تفتحت عيناي علي الحياة في عام 1925 وأنا أسمع هذه القصة كل يوم تقريبا وعمتي الأرملة تقيم معنا في نفس البيت الذي مازلت أذكره جيدا.

مسيرة فريد شوقي حافلة بالأفلام والمسلسلات والمسرحيات وصلت إلي 385، تألق خلالها في أدوار عديدة تنوعت ما بين الطيب والشرير والبخيل، وغيرها من الأدوار التي أكدت نجومية ملك الترسو الذي حفر أسمه وسط عباقرة الفن.

 


الجمعة، 29 أكتوبر 2021

الملحن الذي نافس سيد درويش وضربه علقة ساخنة

 

فنان الشعب سيد درويش


عماد خلاف

كان من أنبغ ملحني عصره، ومنافسًا قويًا للموسيقار الذي تألق وارتبط اسمه بثورة 1919 فنان الشعب «سيد درويش»، فإذا اختلف نجيب الريحاني مع سيد درويش فلا يسد فراغه سوى «إبراهيم فوزي»، الملحن الذي جاء من الإسكندرية إلى القاهرة بعد أن ضاقت به الدنيا، وهو في عمر الـ 16 عامًا، إلى أن أعجب به فنان يدعي حسين الكافوري وكان يمتلك "تياتروا" من "التياتروات" المتنقلة التي تجوب أنحاء مصر، كما تعرف على الموسيقار كامل الخلعي، الذي أعجب به وقربه إليه وتتلمذ على يديه.

إبراهيم فوزي، الملحن والممثل الذي نافس سيد درويش وكامل الخلعي ودواد حسني في التلحين، بالإضافة إلى قدرته على تقمص الشخصيات والتحاقه بالفرق المسرحية، ورغم منافسته لملحني عصره، وقيامه بتلحين مئات الأغاني للمسرح والسينما والإذاعة إلا أنه عاش مغمورًا ومنسيًا ومهملًا.

وكان لإبراهيم فوزي العديد من المواقف التي تروى عنه، من بينها العلقة السخنة التي تلقها من فنان الشعب سيد درويش، عندما اقتبس منه لحن من ألحانه.

ويحكي فوزي عن تلك الحادثة قائلًا: «قديمًا معروف عن شارع عماد الدين أنه واجهة الفنانين والمبدعين، ويطلق عليه شارع الفن، إذا كان مزدحمًا بالمسارح التي كانت محتشدة بالفرق التمثيلية، وكان من أشهر هذه الفرق فرقة أمين صدقي وعلي الكسار بيتاترو «الماجستيك»، وفرقة نجيب الريحاني بتياتروا «الإجبتسيان».

وكانت المنافسة شديدة بين الفرقتين وكانت الفرقة الأولي تستعد لإخراج رواية «قولوا له» ويلحنها سيد درويش، كما كانت فرقة أمين صدقي وعلي الكسار، تستعد لعمل بروفات لرواية «مرحب» تلحين إبراهيم فوزي.

ومعروف عن سيد درويش أنه دائم التلحين خارج القاهرة، وحتى يتسنى له تلحين الرواية سافر إلى المنصورة وأخذ معه الفنان «فهمي أمان»، وبينما هما سائران في أحد شوارع المنصورة رأى رجلا يبيع الروائح والسبح، وينادي على بضاعته بصوت جميل، ويقول: «بمال مكة بمال المدينة ومال المدينة مال الحجاز»، فأعجب سيد درويش بصوته وطريقة مناداته والنغمة التي ينادي بها، فمشى وراءه مدة طويلة إلى أن حفظ اللحن فقام بكتابته وأرسل فهمي أمان إلى «بديع خيري» ليكتب كلمات علي الوزن الأغنية التي كان يغنيها البائع المتجول.

وبالفعل قام بديع خيري بتأليف كلمات جديدة وكانت عبارة عن «مليحة قوي القلل القناوي» بعد أن أدخل عليها درويش بعد التعديلات عليها، وحضر إلى القاهرة وقام بتحفيظ اللحن لفرقة الريحاني،

مليحة قوى القلل القناوي

رخيصة قوي القلل القناوي

قرب حدانا وخد قلتين

خسارة قرشك وحياة ولادك

ع اللي ماهواش من طين بلادك

ده أبن بلدك ما يبلفكشي

ما تعدموشى ولا يعدمكشى

دمك من دمه ما يفرقكوا شيء

بالصدفة دخل إبراهيم فوزي الملحن ومنافس الشيخ سيد درويش إلى مسرح الإجيبسيان، أثناء البروفة فأعجب كثيرًا باللحن واستساغ الجملة الموسيقية وحفظها وكتب الكلمات الخاصة باللحن وخرج مسرعًا إلى مسرح الماجستيك المجاور لمسرح الإجيبسيان، وقابل أمين صدقي وأعطاه الكلمات ليضع عليها كلمات أخرى تتفق مع رواية كتبها وتم تلحينها، وبينما سيد درويش يشاهد رواية «مرحب» إذ به يفاجأ بنفس الجمل الموسيقية التي وضعها للحن «مليحة قوي القلل القناوي» لإبرويت "قولوا له"، وهنا ثار سيد درويش وخرج مسرعًا للبحث عن إبراهيم فوزي في شارع عماد الدين ومقاهيه.

وبعد "لف ودوران" أخيرًا وجده، جالسًا في مقهى «أوستراليان باروكان» ساعتها أمام مسرح الماجستيك فأمسك به وألقاه على الأرض وأشبعه ضربًا ورفسًا».

ومن أغرب الأمور أن يستمر تقديم رواية «مرحب» 6 شهور على التوالي أمام رواية «قولوا له» الذي لم تتجاوز الثلاثة أسابيع .

لحن إبراهيم فوزي ما يقرب من 200 مونولوج، من بينها «يا خولي الجنينة» ويا «مهلبية» لمحمود شكوكو، «ويا حالا بالا هنوا أبو الفصاد هيكون عيد ميلاده الليلة أسعد الأعياد»، بالإضافة إلى تلحينه لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، فقد جمع بين التأليف والتلحين والغناء، وخفة الظل وكانت الابتسامة لا تفارقه أبدًا.

ومن نوادره أيضًا أنه كان يعمل بفرقة الكسار بالإسكندرية ممثلًا ومعه زميله الفنان محمد أدريس بمسرح الهمبرا، ولظروف انتهت الحفلة في وقت متأخر وفي منتصف الليل ذهب الزميلان "أدريس، وإبراهيم"، للبحث عن طعام العشاء، فلم يجدا سوى رجل يبيع الكبدة، فأخذ كل واحد منهما رغيف وبقرشين كبدة، وتناولا طعامهما في الطريق علي الماشي، ولكن الكبدة كانت كأنها كاوتشوك، فقال أدريس.. إيه الكبدة دي يا إبراهيم؟

فقال له .. دي كبدة أبريل.

وفي إحدى الحفلات كانت فرقة يوسف عز الدين تقدم رواية العمدة، وكان يوسف يمثل دور العمدة، وإبراهيم فوزي يتقمص شخصية شيخ الغفر وأثناء الحوار، قال العمدة لشيخ الغفر، يا هريدي عليَّ بالغفر، وكانت ضحكات الجمهور عالية، فقال له عز الدين، تفضل أنت ضحك الناس وبلاش أحنا سي إبراهيم.

رغم كل هذا ظل إبراهيم فوزي منسيًا، لا يعرفه الكثيرون رغم أنه ترك وراءه العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية الكثير، وعلينا أن نتذكره فقط في مشهد «نيرون وهو يحمل الفانوس» في أغنية «العقلاء» بفيلم «المليونير» لإسماعيل يس،  بالإضافة إلى تأسيسه عام 1943 أول نقابة لـ «العوالم» تضم كل الفنانات التي تقمن بإحياء الأفراح لتصبح بعد مرور الوقت أول تجمع للفنانين والمطربين والممثلين، ليظل إبراهيم فوزي أحد رواد التلحين في مصر والوطن العربي، ولكنها الشهرة الملعونة التي تلتقط اسمًا وتترك الآخر مع أننا لو بحثنا لنجد الكثير من عينة فوزي الذي ظلمته الشهرة وتركته وحيدًا.


الخميس، 7 أكتوبر 2021

المليونيرة التي تزوجت المشخصاتي والمنولوجست

 

عائشة فهمي ويوسف وهبي


عماد خلاف

لم يكن أحد يتخيل أن المليونيرة، صاحبة القصر «الرخام الوردي» في الزمالك، وسليلة الطبقة الارستقراطية، سوف تتنازل وتتكرم وتتزوج المشخصاتي «يوسف وهبي»، الذي تكبره بستة عشرة عامًا، الذي أحبته وعشقته لدرجة أن تطلب الطلاق من زوجها الدكتور «أحمد سعيد»، وتدفع له مائة ألف جنيه حتى تحصل علي حريتها وتتزوج من فنان الشعب، ومنذ إعلان الزواج في عام 1930 ، انطلقت معها حملة تهاجم عقد القران.

رغم حالة الانبهار التي كانت تصاحب المشاهدين والمتابعين، وتحديدًا الفاتنات من أصحاب الطبقات العليا، لم تشفع موهبته ولا نجوميته لفنان الشعب، التي جعلت الكثير منهن يتهافتن عليه ويبحثن عنه، «نتزوج منهم (المشخصتية) لا وألف لا».

«عائشة فهمي» التي حاربت وناضلت من أجل هذه الزيجة، ووقفت أمام العائلة حتى تقنعها، بعراقة عائلة يوسف بك وهبي، ووالده خريج الزراعة من جامعة أكسفورد، ويحمل لقب باشا، وكان يعمل مفتشًا للري في الفيوم وعائلته من كبار ملاك الأراضي الزراعية، لكنها فشلت في أقناعها، علي الرغم من أن يوسف وهبي قد افتتح مسرح رمسيس في 10 مارس سنة 1923، ونجح نجاحًا هائلًا استمر 10 سنوات كاملة، وكانت العائلات المصرية والأسر الكبيرة تحجز "بناوير" المسرح كلها بمبلغ 44 جنيهًا في مقابل مشاهدة العرض مرة واحدة كل أسبوع، وظهرت سوق سوداء ومضاربة وسباق على حجز "البنوار رقم1" الملاصق لخشبة المسرح، وكان يوسف ساعتها محط أنظار النساء والفتيات من الطبقات العليا، وحتى يلتفت إليها يوسف وهبي قامت المليونيرة العاشقة «عائشة فهمي» بحجز البنوار رقم واحد ودفعت 400 جنيه لكي لا يجلس فيه غيرها.

ومع بداية عام 1930 تزوجت عائشة من فنان الشعب وسافرا إلى باريس وعادا ليقيما في قصر «الرخام الوردي» في الزمالك، التي ورثته عائشة من أخيها علي كامل فهمي، الذي قتل في ريعان شبابه، وتحول الاسم بعدها إلى قصر عائشة فهمي، واشتهر بهذا الاسم إلى بداية الستينات، حتى اشترته وزارة الثقافة، وخصصته للفنون التشكيلية، وأصبح يعرف حاليًا بمجمع الفنون.

ولأنها كانت عاشقة له ومتيمة به لم ترفض له شيئًا، وساعدته في إنشاء أول مجمع للفنون باسم مدينة رمسيس، على مساحة 17 فدانًا في الأرض، التي هي مدينة الأوقاف في المهندسين الآن، وتكلف إنشاؤها 500 ألف جنيه، ودعمته بشدة، وكانت تشمل المدينة أول دار سينما مكشوفة في الهواء الطلق سينما صيفي، سعة 400 مقعد، ومسرح كبير 3000 مقعد لفرقة رمسيس، ومسرح أصغر قليلًا ولونا بارك وملاهي، وكبارية واستديو، وسينما وساحة للعب ومحطة إذاعة محلية، كان يديرها شقيقه إسماعيل.

 بعد فترة شنت حكومة توفيق نسيم باشا في ذلك الوقت الحرب على يوسف وهبي لتنتزع منه المدينة، واستطاعت بالفعل بعد أن فرضت وزارة الأوقاف، صاحبة الأرض المقام عليها المدينة، على يوسف وهبي أن يشتري الـ 17 فدانا بـ 6 آلاف جنيه، ولكن لم يستطع توفيرها لأنه كان قد أنفق كل ما يملك في إنشاء المدينة، كما أن الأجور المرتفعة للممثلين والإنفاق ببذخ على الإعلانات والديكورات إلى جانب الحياة المرفهة ليوسف وهبي، قد قضت على الأرباح فأشهرت الحكومة إفلاسه، وانتزعت منه المدينة وهدمتها الحكومة.

وقال يوسف وهبي يومها إن إغلاق مدينة رمسيس اليوم فقط، أشعر أني أدفن كل أحلامي.

وبإغلاق المدينة بدأت المشاكل تحاصر يوسف وهبي من زوجته عائشة، التي كانت تغار عليه من المعجبات حتى أنها أصيبت بالهوس وجعلتها تطلق خلفه جواسيس وعيون تترصد وتضيق عليه حركاته، ورغم كل ما فعلته من أجله وقع في غرام سيدة أخرى تدعى «سعيدة منصور»، وهي كانت بمثابة ابنة وربيبة لعائشة فهمي، وسرعان ما تحولت العلاقة إلي حب وتزوجها يوسف وهبي، وهربت معه إلى بيروت.

وعندما علمت عائشة فهمي بهروب زوجها إلى بيروت بصحبة ربيبتها، طردته من قصرها ورفعت عليه دعوى نفقة وظلت تطارده في المحاكم حتى أعلن إفلاسه.

أما سعيدة التي تزوجها فقد كتب عنها قصائد حب في مذكراته التي جاءت بعنوان «عشت مائة عام».

بعد فترة قصيرة، قررت عائشة أن تنتقم من يوسف وهبي بالزواج من الفنان الفطري «شكوكو» الذي نال شعبية ضخمة في الأربعينيات والخمسينيات، لدرجة أن أطلق عليه لقب شارلي شابلن العرب،  وكان ردائه المميز الجلباب والطاقية الطويلة سببًا في نجاحه، وكان أميًا يساعد والده في محل النجارة، وبمجرد علم يوسف وهبي بزواج عائشة من شكوكو استشاط غضبًا، بالإضافة إلى المجتمع الأرستقراطي الذي رفض زواج سليلة الحسب والنسب من المنولوجست، ولكن ما قصم ظهر البعير عندما قامت عائشة بشراء السيارة الإنجليزية الفاخرة «بانتيللي» التي كان لا يركبها غير اللوردات والسفراء والأمراء، وكان أول فنان مصري يركب هذه السيارة في الأواخر الأربعينات، وأثار عليه الحقد وغل أفراد الأسرة المالكة وبعض أفراد العائلات الأرستقراطية وأجبروه على بيعها، ولم يهدأ يوسف وهبي لاعتلاء شكوكو نفس السرير الذي ضم أجساد النبلاء من القصر.

وظل يغذي الحملات المسعورة ضد الزوجين من النخب وبالفعل، طلق شكوكو عائشة في مشهد فريد، حيث دعا مجموعة من أصدقائه وحيد فريد، ومحمود فريد، وأبو السعود الإبياري، وأحمد عزت، زوزو شكيب، ونجيب خوري، وحضر إليهم محمود شكوكو على قهوة الأوبرا ومعه كلبه الضخم، وأقنعوه بأن يطلقها، وبالفعل حدث ذلك.

ولم يتعامل يوسف وهبي مع شكوكو بعدها في أي عمل فني أو يقابله في مكان، ولهذه الحكاية رواية أخرى سوف نرويها في وقتها.

الجمعة، 17 سبتمبر 2021

رجاء الجداوي: شاركت كل الأجيال من أول سعاد حسني وعادل إمام وأحمد زكي إلي رامز جلال ومحمد سعد


 



عملت مذيعة وعارضة أزياء وممثلة ولم تترك سينما أو مسرح أو إذاعة إلا وشاركت فيها

عماد خلاف

موهبة كبيرة كانت جديرة بالاستغلال أكثر مما حققت، ومع ذلك ما تركته رجاء الجداوي  وراءها يكفي لكي نكتشفها من جديد، كانت تجيد كل الحيل، كعارضة أزياء، ممثلة، وفي النهاية مقدمة برامج، تلعب علي جميع الأحبال، بحرفية ومهارة فطرية، تجعلها تتنقل من شخصية لأخري، فنانة محترفة تمتلك الكثير من الإبداع، صاحبت كل الأجيال ومثلت معهم، لم تنكمش بل صاحبت العصر، وعملت علي تطويع نفسها كفنانة محترفة، هي من الجيل الذي بني السينما علي أكتافه.

جاءت إلي الدنيا في 6 سبتمبر 1934 ورحلت عنها في 5 يوليو 2020، منذ أيام قليلة، تاركه وراءها رصيد كبير من حب الجماهير العربية، التي حزنت لرحيلها، بفيروس كورونا، بعد أن أصيبت بالفيرس، لتصارع الموت في مستشفي الإسماعيلية، ولكن جسدها المنهك العجوز لم يستحمل جبروت الفيروس الذي فتك بها.



369 عمل فني حصيلة رجاء الجداوي مع السينما والإذاعة والتلفيزيون، لم تكن البطلة، في كل الأفلام التي شاركت فيها ولكنها تترك بصمة، هي ابنة شقيقة الفنانة تحية كاريوكا، انتقلت مع شقيقها فاروق، لتقيم مع خالتها تحية، وتلقت تعليمها في مدارس الفرانسيسكان بالقاهرة، عملت في الترجمة، وبعدها تنتقل لتكون أشهر عارضة أزياء مصرية،  لتذهب إلي الفن، وتتزوج من لاعب الكرة حسن مختار وتنجب ابنة واحدة.

مع بداية عصر الستينات ظهرت رجاء الجداوي في العديد من الأفلام منها إشاعة حب مع عمر الشريف وسعاد حسني وهند رستم والعملاق يوسف وهبي، وتتقمص شخصية صديقة البطلة، ومن قبلها قامت بمجموعة من الأدوار في المسلسلات الإذاعية منها الخروج من الشرنقة، والسارق، والحرمان، ومن بعدها تلتقطها كاميرا السينما، وتتنقل ما بين إسماعيل يس في الفرسان الثلاثة في عام 1961 وتقوم بدور هدي، ومع فيلم دعاء الكروان تقوم بدور خديجة، والقاهرة في الليل، وكرامة زوجتي مع شادية وصلاح ذو الفقار وتتقمص شخصية سهير، ومع بداية الأفلام الخفيفة في السبعنيات أصبحت ضيفة في كل الأفلام من بابا عايز كده مع محمد عوض ورشدي أباظة وسعاد حسني، وأصعب جواز، وزائر الفجر، والقاهرة والناس مسلسل، وفي عام 1977 تتقمص شخصية عارضة أزياء في فيلم نساء في المدينة، وأزاوج طائشون.



ومع بداية نجومية عادل إمام راحت معه لتقوم بمسلسل أحلام الفتي الطائر، وتتنقل مع الزعيم في كل أفلامه ومسرحياته وتظهر معه  في مسرحية الواد سيد الشغال، وفي فيلم التجربة الدنماركية تظهر ضيفة  في حفلة التخرج، ومع جيل الشباب تظهر مع محمد سعد في فيلم كركر، ومع رامز جلال، ومع أحمد حلمي في مسلسل إذاعي بعنوان يا أنا يا أنت في عام 2010، ومع مسلسل لعبة النسيان الذي تم عرضه في رمضان الماضي 2020، كانت تتقمص شخصية زينب، وللأسف تصاب بفيروس كورونا، وترقد بمستشفي في الإسماعيلية، لترحل عن عالمنا ويبكيها الوسط الفني والعديد من المواطنين العاديين، تاركه وراءها حب الناس وعشرات الشخصيات التي جعلتها بحق الأنيقة والجميلة رجاء الجداوي.