‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 سبتمبر 2025

عماد خلاف يكتب: صاحب المقام وقنديل أم هاشم

 

إبراهيم عيسي

 


فعلها يحيي حقي في القرن الماضي من عام 1968،عندما تحولت روايته قنديل أم هاشم إلي قصة سينمائية سيناريو وحوار، صبري موسي، وإخراج كمال عطية، وبعد مرور هذه السنوات يأتي إبراهيم عيسي، ويشتبك مع الماضي كعادته في فيلم صاحب المقام، ويعيدنا إلي المربع صفر.

في قنديل أم هاشم كان العلم في مواجهة التراث الإنساني والعرف وما تمثله الأضرحة من مخزون ديني وعقائدي لدي المواطن المصري، وفي صاحب المقام سطوة المال أمام نفس الشيء، كلا منهما راح يطرح السؤال الأبدي أيهما سينتصر العلم أم سطوة المال أمام أولياء الله الصالحين، وأضرحتهم الموجودة في كل مكان في مصر، وما تفعله هذه الأماكن من هدوء نفسي وطمأنينة وسكينة في نفس المواطن الغلبان، بالإضافة إلي التبرك والتعلق بها، وجعلها الملجأ من جبروت وسطوة الحياة.

مع المشاهد الأولي من فيلم صاحب المقام نصل إلي يقين أن أسر ياسين الذي يتقمص شخصية يحيي حسين رجل أعمال، لا يهتم بشئ سوي البيزنس، مهمل في علاقته بزوجته وابنه الوحيد، كل وقته يقضيه في شركته وهاتفه المحمول، لا مجال للمشاعر والأحاسيس، المكسب هو طريقة الوحيد، ومع تكرار المشاهد نصل إلي حقيقة مفادها، لا مكان عند يحيي إلا سطوة المال، وشخصية بيومي فؤاد شريكه في العمل، الذي يتقمص شخصيتين، واحدة باسم حليم والأخري حكيم، أحدهم يؤمن بسطوة المال، والأخر قرينه الذي يؤمن بالخزعبلات من وجهة نظر يحيي، وأن ضريح سيدي هلال ما هو إلا جدران متهالكة ولابد من هدمها، وأقامة كمبوند سكني، وحتي لا ينزعج المواطنين بسبب هدم مقام سيدي هلال، يوعدهم ببناء مسجد مكان الضريح، ومع مشهد الهدم تنهال اللعنات والمصائب علي رجل الأعمال يحيي.

التقارب بين فيلم صاحب المقام وقنديل أم هاشم واضح وصريح، رغم الاختلاف في التناول الدرامي، لكن في النهاية يصل إبراهيم عيسي  إلي ما وصل إليه يحيي حقي، نعود للوراء مع فيلم قنديل أم هاشم وماحدث للطبيب إسماعيل الذي تقمص الشخصية شكري سرحان الذي سافر للخارج وعاد حاصلا علي الدكتوراه في طب العيون من ألمانيا، وبعد عودته يكفر بكل ما أمن به خلال تربيته في الحي الشعبي السيدة زينب القريب من أولياء الله الصالحين، ورؤيته الدائمة لعلاج العشرات بزيت القنديل، فيقوم بتحطيم قنديل المسجد، وينفض عنه مرضاه، مهاجما معتقداتهم الدينية، وبعد مرور المشاهد لا يجد إسماعيل مفر سوي عقد مصالحة بين العلم ومعتقدات الناس البسطاء، ويعود لعلاج ابنة خالته فاطمة مستخدما الإيمان والعلم سويا، كما فعل يحيي في فيلم صاحب المقام، من عودته في النهاية إلي بناء الضريح مرة أخري.

طبيب العيون إسماعيل كسر القنديل المليء بالزيت، في قنديل أم هاشم،  وفي المقابل يحيي هدم مقام سيدي هلال، في صاحب المقام، كلا منها راح في طريقه لكنهم عادوا خائبين في النهاية، الروائي الكبير يحيي حقي أبدع في قنديل أم هاشم، والأستاذ إبراهيم عيسي الصحفي والروائي والإعلامي تألق في صاحب المقام المليء بالرمزيات، التي تجلت في شخصية "روح" التي جسدتها يسرا، وهل هي ضمير يحيي رجل الأعمال؟، أم إحدي الرسائل التي يرسلها الله إلي عباده بين الحين والأخر حتي يعودوا إلي رشدهم، وتجلي ذلك في إحدي المشاهد عندما تقول يسرا: "خليه يعود"، وظهورها في كذا شخصية مرة طبيبة ومرة أخري عاملة في المستشفي التي ترقد فيها زوجته، ومرة تلاطف وتلاعب الأطفال في مشهد ثالث، بالإضافة إلي شخصية هالة فاخر الذي ظهرت في مشهد وحيد عندما قامت بضرب يحيي علي وجهة في مقام الأمام الشافعي، وكأنها رسالة لكي يعود مرة ثانية إلي وعيه.

وتتوالي المشاهد في صاحب المقام، ويهمل يحيي عمله، ويقرر أن يذهب بنفسه إلي مقامات أولياء الله الصالحين، ويطلب الرسائل التي يرسلها المواطنين إلي الأمام الشافعي، حتي يحقق أمنيات أصحابها، في محاولة منه لطلب العفو والسماح من أهل آل البيت، وبالفعل ينجح في تحقيق بعضها، وتعود زوجته من الغيبوبة التي دخلت فيها مع بداية المشاهد.

في الفيلمين حالة روحانية تتجلى في بركة أم هاشم، وبركة سيدي هلال، كل منهما يسير في نفس الطريق، صديق إسماعيل طبيب العيون، يقول له: في حاجات كتير لازم تتعلمها غير العلم، وفي المقابل روح الذي تقول: خليه يعود، وأيضا في حاجات كتير لازم تعرفها وأنته بتجمع المال.

مشهد قبل النهاية بين الدكتور إسماعيل والشيخ الدرديري الذي يسأله، تفتكر ياعم درديري أن زيت القنديل بيشفي العينين، ليرد عليه الدريردي قائلا: إنما الأعمال بالنيات، اللي أمن أنه يشفيه ها يشفيه، وهيا واسطة، ليرد عليه الطبيب إسماعيل ربنا يجعل للست في أيدها الشفا، ليعود إلي بيت والده، ويقابل فاطمة ويقول لها: أنا جاي أعلجك بزيت القنديل، وفي صاحب المقام عالج يحيي زوجته من خلال تحقيق أمنيات المواطنين الغلابة.

مشهد النهاية في كلا من الفيلمين واحد، عندما ذهب الطبيب إسماعيل في قنديل أم هاشم، إلي المقام طالبا العفو والسماح من آل البيت، بعد أن كسر القنديل، وفي المقابل يقوم يحيي في صاحب المقام بإعادة بناء مقام سيدي هلال بعد أن تم هدمه في بداية الفيلم، لم ينجح العلم في قنديل أم هاشم في السيطرة علي توغل وسيطرة أولياء الله الصالحين علي عقول وقلوب المصريين، ولم ينجح المال أيضا في صاحب المقام.

الثلاثاء، 1 أغسطس 2023

عماد خلاف يكتب.. بيت الروبي.. فيلم مكتوب بالمقلوب



عندما نجد اسم كريم عبد العزيز علي أفيش فيلم ما، لابد أن نهرول ونبحث علي كرسي داخل شاشة السينما لنري ما سيقوله هذا الفنان الذي يحمل الكثير من التميز، لكن ليست الأسماء وحدها تكفي، ولا الإيرادات علامة تميز، تاريخنا مليء بالأفلام الجيدة التي سقطت في دور العرض، لكن أعيد اكتشافها مرة أخري بعد فترة من الزمن.

نحن أمام فيلم تضافرت عناصر نجاحه من أول المخرج بيتر ميمي خريج كلية الطب الذي احترف الكتابة ومعها الإخراج، وفي فترة زمنية قصيرة فرض علينا جميعاً وراح يتنقل ما بين السينما والدراما التليفزيونية، كأحد الوجوه الشابة الذي جاءت لتحريك المياه الراكدة وطرح مشاكلهم كجيل جديد، مع وجود كريم محمود عبد العزيز ونور وتارا عماد ومن بعدهم تأتي أسماء أخري ليست بنجومية هؤلاء الأربعة، وقرروا أن يطرحوا لنا فكرة قد تبدو في ظاهرها الجدية وهي مناقشة ما تفعله السيوشيال ميديا في البشر، أو بمعني أصح السعي وراء الترند أو الفضائح.
ألفريد هيتشكوك المخرج البريطاني العظيم كان دائما ما يقول هناك ثلاث أشياء لصناعة فيلم جيد هما السيناريو، والسيناريو، والسيناريو، وعلي الرغم من قوة الفكرة إلا إن المخرج لم يكن جاد في طرحه بل راح يتلاعب بالبطل والممثلين دون أن يقول شيئا، وبقي السؤال هل نبتعد عن السيوشيال ميديا أم نظل قابعين أمام شاشة المحمول؟ وتوهنا ولم يكن هناك سبب واضح لهذه النظرية السطحية لأحد أهم مشاكل العصر التي نواجهها جميعاً الأن، كما أن السيناريو مليء بالثرثرة المتبادلة بين البطلين سواء من ناحية كريم عبد العزيز الذي حاول قدر استطاعته أن يرمي أفيه لعل الجالسين أمام الشاشة يضحكون مع كريم محمود عبد العزيز، الذي اجتهد علي أمل أن يجذب عيون المشاهدين له، لكن ما حدث كان العكس.
سبع سنوات قضاها الدكتور إبراهيم الروبي هو وزوجته وأطفاله في دهب بعيداً عن ضوضاء العاصمة القاهرة، وهي فترة ليست بالقصيرة حتي يتم ترديدها من البطل في جملة عابرة، دون أن نفهم ماذا كان يفعل خلال هذه الفترة؟ علي الرغم من أن لديه طفلين، وأقام منزل أمام البحر مباشرة، إلا لو اعتبرنا أن ما مر من مشاهد قليلة كان من الممكن التغاطي عنها، ليأتي إليه أخيه إيهاب الروبي وزوجته المغرمة بالسيوشيال ميديا ليذهب معه إلي القاهرة ويبيع نصيبه في منزل العائلة حتي يتمكن من التوسع في محل الكوافير، وبالفعل يأخذ الدكتور إبراهيم زوجته إيمان وأطفاله شريف وشمس ويذهب مع أخيه إيهاب الروبي وزوجته بهيرة، وأثناء السفر تحدث مشادات وخناقات بين سائقي السيارات والتأكيد علي حالة العنف والكره التي أصبح يعاني منها الشارع المصري وظللنا نسير في مشهد وراء الأخر حتي أقسمنا أن القاهرة مدينة بلا قلب، وأن الدكتور كان لديه كله الحق في الهروب وعائلته من هذه المدينة المليئة بالضوضاء، والأفعال الشاذة التي تجعل البطل ومن بعده المشاهدين يقتنعون أن ما فعله كان هو الصواب، إلي هنا البناء الدرامي محكم ويسير في خط متوازي مع قناعات البطل، لكن ما حدث بعد ذلك كان مخيباً فلم يكن المخرج ولا كتاب السيناريو يحملون وجهة نظر حقيقية.
مشاهد الخوف والتردد والانكسار والصعود كثيرة لدي البطل وزوجته وأبنة الصغير ومن بعده أخيه وزوجته، وما بين هذا وذاك يتورط الدكتور إبراهيم في النجومية التي وجد نفسه محاط بها بعد مجموعة من العبارات التي قيلت أثناء بث مباشر لزوجة أخيه، وتعجبه اللعبة علي الرغم من أنه رفضها من قبل إلا أن هذه المرة لم تكن لحظات انكسار بل شهرة ولم يحدث له كما حدث لزوجته وفضحتها السيوشيال ميديا، الطبيبة التي أخطأت أثناء عملية ولادة، وبعدها تبدأ عملية الهروب للعائلة إلي دهب، لتعود مرة ثانية ويكون الزوج هو النجم الذي يطارده المعجبين في كل مكان، ما بين شهرة ونجومية الدكتور إبراهيم يعود مرة ثانية إلي الانكسار بعد كشف حقيقته هو وزوجته الطبيبة ليتم إعادة الفيديوهات القديمة إلي العلن ويبدأ المنحني في النزول.
الدكتور إبراهيم رضخ وتنازل عن كل ما أمن به وهرب منه خلال سبع سنوات وعاد إلي المجتمع الذي رفضه بشروطه هو، وكأنه إداة يمكن تحريكها دون تفكير ووعي، هذه النظرة السطحية لقضية من أهم قضايا العصر يجعلها تفقد الكثير من أهميتها علي الرغم من جدية الطرح سواء من خلال المخرج أو السيناريو لكن النظرة المحدودة جعلت الفكرة هشة بدون أعمدة صلبة قوية، وعاد بيت الروبي إلي القاهرة مرة أخري بلا هدف حقيقي.
كان من الممكن أن يتم طرح الفكرة بالمقلوب علي أن يرفض الدكتور وزوجته هذه الغابة التي يأكل فيها بعضنا بعضا وهي السيوشيال ميديا، ويهرب من كل هذا إلي الهدوء والسكينة كما فعل يحيي الفخراني في فيلم «خرج ولم يعد» للمخرج محمد خان، الذي ترك المدينة بكل ما فيها واختار الريف ليكون الملاذ الأخير له من ضوضاء المدينة وصراعاتها ومشاكلها التي حاصرته، في هذه الحالة يكون لدينا قناعة ومباديء نؤمن بها وأفكار قوية نحارب من أجلها وليس الرضوخ كما فعل البطل في فيلم بيتر ميمي فلم يكن يحمل أي أفكار ولا وجهة نظر ولا حلول للمشكلة التي نعاني منها كثيراً وهي الفضائح التي تلاحق الجميع علي السيوشيال ميديا ليعود خائباً دون أن يكون معني لهروبه سبع سنوات هو وعائلته الصغيرة، كان من الممكن أن يكون مشهد البداية هو النهاية أو يكون لدينا حلول من خلال أحداث الفيلم.
كلمة أخيرة مشهد الولادة في الطريق المزدحم في نهاية فيلم بيت الروبي منحوت من فيلم تيتة رهيبة بطولة محمد هنيدي وإيمي سمير غانم وسميحة أيوب وباسم سمره ومن تأليف يوسف معاطي، وإخراج سامح عبد العزيز، دون أن يضيف بيتر ميمي إلي المشهد الأخير أي بصمة من عنده فلم يكن لديه شيء أخر يقوله بل استسهل النقل كما فعل في السيناريو دون وجهة نظر حقيقية جاهد من أجلها.
قد تكون صورة ‏‏‏٦‏ أشخاص‏ و‏نص‏‏
كل التفاعلات:
أنت، ومروة عبد الله، وMona Karem و١٩ شخصًا آخر

الأحد، 30 أكتوبر 2022

عماد خلاف يكتب: شيرين عبد الوهاب.. ضحية نفسها

شيرين عبد الوهاب 


حكاية شيرين عبد الوهاب لم تنتهي ولن يسدل الستار علي أحداثها بل علي العكس تماما سوف تظل معنا، يتناقلها الجميع بين الحين والأخر لتكون شاهد علي ما وصلت إليه نجمة ملآت الدنيا بأغانيها وأيضا بمشاكلها التي لا تنتهي.

الكل ينهش فيها، الزوج، والأخ، والأم، حتي هي لم تكن قادرة علي حماية نفسها من السقوط،  الجميع راح يبحث له عن دور للظهور، كل منهما يخاف علي شيرين كما يقول ويصرح في كل مرة يطل علينا أحدهم.

لكن أين شيرين؟ الحقيقة أنها محطمة وكاره للحياة وتنام في غرفة صغيرة علي سرير بأحد المستشفيات،  ما بين التخلص من حياتها وبين التعافي والخروج للناس لقول الحقيقة، أي حقيقة، هل تقول أنها مدمنة مخدرات فعلاً!، أم أنها ضحية حب دمر كل حياتها، أم أن أهلها هم السبب في كل ما وصلت إليه، ماذا ستقول شيرين؟.

لا يهم ماذا ستقول؟ المهم أنها تتكلم تفضفض عما بداخلها، تبكي، ما المانع، تعلن أنها لن تعود مرة ثانية لهذا الزوج، ورغم ذلك تعود، لا أحد يثق في المطربة، المترددة الغير قادرة علي عدم أخذ قرار بالفرار من علاقة تدمر ما تبقي من مشاعرها المحطمة.

المتتبع لتصريحات شيرين عبد الوهاب سوف يصل إلي حقيقة مفادها أنها تقول الشيء ونقيضه، ترفض الحب وتبحث عنه، أنها ضائعة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معني، تريد الحب بكل تأكيد لكن لا يوجد هذا المحب العاشق الذي يعطيها الحنان التي تبحث عنه، ورغم ذلك تستمر في خداع النفس، علي أمل التغيير الذي لن يأتي أبدا فلن يغير الإنسان من طبعه طالما يعيش علي وجه الأرض إلا القليل منهم.

هل يصدق الناس شيرين عبد الوهاب مرة ثانية عندما ينعم عليها الله بالشفاء العاجل، بكل تأكيد لأن رصيدها يكفي عند الملايين الذين أحبوها في كل حالاتها، دائما الناس لديهم القدرة علي الصفح والغفران طالما المخطيء تخلص من كل ذنوبه، حتي لو لم يتخلص، ذاكرة العوام في مصر ثلاث أيام كما قال الجبرتي من عشرات السنين، لكن في القرن الواحد والعشرين ذاكرة العوام خمس دقائق علي الأكثر.

مساحة الكره والحب والتأييد والهجوم التي نعيشها الأن علي منصات التواصل الاجتماعي تجعل الجميع يخطيء ويرتكب أسوأ الأفعال ومع ذلك تجد من يدافع عنه، علم النفس يقف حائرا خائباً ليس لديه تفسير منطقي لهذا الظاهرة الغريبة التي تجعل البعض يدافع عن الخطأ بكل استماته، هل كنا قديماً نفعل هذه الأشياء وجاء السيوشيال ميديا وفضحنا جميعا؟.

وكالعادة تكلم الملايين في الفضاء الشاسع مابين مساندة طليقها أو عدم تصديقه، وبين الوقوف بجانب الأخ والأم، الجميع راح يبحث له عن رأي في برامج التوك شو ولا أحد يسأل عن حالة المطربة الصحية، المهم التريند سواء كان عن المطربة المريضة أو زوجها الذي أصبح طليقها وظل يدافع عن نفسه  وسقط في الدفاع، ليته لم يتكلم ولم يخرج علي الناس وبقي صامتاً، فلم تشفع كلماته ولم يتعاطف معه إلا القليل من المتابعين.

هل هناك أمل في شفاء شيرين؟ نعم سوف تخرج علينا مرة ثانية، ولكن هل هناك أمل في شفاءها من الحب؟ وهل الحب مرض حتي نشفي منه؟، الشفاء من الحب يأتي عندما نكتشف أن الشخص الذي مليء القلب والعقل يكذب، وينافق، ويكره، ويحقد، ويشتم، ويضرب، ويفعل كل بوسعه حتي يهدم أعمدة الحب السبعة القائمة علي الصدق والاحتواء والعاطفة والمشاعر والمساندة والعطاء وأخيرا التسامح.

علي المطرب طليق شيرين عبد الوهاب أن يختفي من حياتها ويتركها لحال سبيلها، ويعود إلي إلحانه وغنائه بدل لعبه لدور الضحية وترديد إنه ترك عمله من أجل الحفاظ علي مال المطربة الضائعة، أتركها تتنفس وتغني لتعود إلي جمهورها الحبيب الذي وثق فيها وغفر لها كل ما فعلته قديما وحديثا، وأبحث لك عن أغنية تعود بها إلي الجمهور.

شيرين عبد الوهاب لم تتعلم من أخطاءها رغم تجاربها وسنها الكبير في حماية نفسها من المحيطين بها، لكن الفرصة متاحة الأن بعد الخروج من المستشفي والتعافي من أجل البدء من جديد وتظل شيرين عبد الوهاب مثل أغانيها الحالمة والمحبة والرافضة لكل علاقة تدمرها وإلا تعود مرة ثانية لغناء «جرح تاني» ولكن عليها أن تدندن كعادتها «لازم أعيش».

 

 

 

 


الخميس، 18 نوفمبر 2021

علي الكسار.. المظلوم

 

المبدع علي الكسار


عماد خلاف

يأتي «علي الكسار» من بين رواد الكوميديا في الوطن العربي، وأحد الأوائل الذين أرسوا قواعد الضحكة على شفاه الملايين، ويُنسب إليه، ونجيب الريحاني، وشكوكو، وإسماعيل يس، وعبد المنعم مدبولي، وزينات صدقي، وغيرهم، أنهم أصحاب المدرسة الكوميدية الخالية من الاستظراف.

ولكن للأسف لم يحصل «علي الكسار» علي حقه حتي هذه اللحظة بأنه صاحب مدرسة كوميدية فريدة يقف بجانب نجيب الريحاني وفي بعض الأحيان يسبقه حيث ظل الأثنان ينافسان بعضها البعض علي مسارح القاهرة والأقاليم، وكلما ذكر المسرح يذكر نجيب الريحاني دون الألتفاف إلي عملاق من عمالقة الضحك علي الكسار الذي عاش ومات دون أن يعطيه أحد حقه، وعن هذا الجزء سوف نسترسل قريبا بحكايات تؤكد أن علي الكسار لا يقل عن نجيب الريحاني بل يسبقه ورغم النجومية التي عاش فيها لكنه مات فقيرا ومنسيا.

كان الكسار من بين الفنانين الكبار الذين لم يبخلوا على المجلات والصحف بمقالات يكتبون فيها ما يشاءون.

ومن بين الكنوز التي عثرتُ عليها، مقالًا لرائد الكوميديا علي الكسار في العدد الأول من مجلة «الكواكب»، وتحديدًا في 28 مارس 1932، وكان ثمن النسخة من المجلة 5 مليمات، وجاء بعنوان "كيف أُضحك الناس؟".

وعبّر الكسار في هذا المقال عن الكثير مما يجول في خاطره، راسمًا بقلمه الخطوات التي يجب أن يسير عليها الكوميديان حتى لو خرج على النص المكتوب، وفي بداية المقال يوضح الكيفية التي يعتمد عليها في رسم البسمة على الشفاه من خلال اعتماده، قبل كل شيء على حركات العينين «المييك»، في إضحاك الناس.

وحتى يبرهن على الكسار على صدق ما يقوله في المقال استرسل قائلًا: ولكي أبرهن لك على صحة ذلك، أرجو أن تتخيل ممثلًا يتكلم وهو يعطي ظهره إليك، هل تظن أنه يضحك أحدا مهما يكن ظريفًا وخفيف الظل في كلامه؟

                             

ويكشف الكسار في الجزء الثاني من المقال عن بداية تقمصه شخصية البربري قائلًا: ويرجع اختياري لشخصية البربري إلى عام 1916، إذ كنت أعمل قبل ذلك مع جورج دخول، الذي اخترع شخصية كامل الأصلي، وقد كان يعتمد في إضحاك الناس على اللهجة السورية التي كان يلقي بها كلماته؛ ولكن في ذلك العام كنت مشتركًا مع مصطفى أفندي أمين في العمل، وفكرنا في إخراج قصة عنوانها «حسن أبو علي سرق المعزة» فاخترت لنفسي شخصية «بربري» اعتقادًا مني بأن هذه الشخصية غنية يستطيع الممثل أن يجد فيها مجالًا واسعًا للعمل والابتكار، ولم يكن أحدٌ من الممثلين المصريين قد مثّل شخصية البربري قبل ذلك، فوجدت أنني أستطيع أن أستغل بلاهة «البربري» كعنصر أساسي من عناصر الإضحاك، كما أن هناك نواحٍ أخرى من هذه الشخصية لا تخيب في إضحاك الناس، ويكفي لذلك أن يعمد «البربري» إلى الخبث والمؤامرة برغم بلاهته وسذاجته، أو أن تشتد به ثورة الغضب لكرامته وتظهر «زربونته».

ويشير «الكسار» إلى إشادة الممثل الفرنسي الكبير دني دينيس به عندما زار مسرحي، قال: «إنني أمتاز وأنا أمثل على خشبة المسرح بأنني أشتغل في الوقت نفسه مع الجمهور الذي جاء يشاهدني، فأنا أحرص دائمًا على أن تكون الصلة بيني وبين الصالة قوية ومستمرة، فإذا اتضح لي أن الكلام الذي وضعه المؤلف على لساني لم يوفق في إضحاك الناس، فإنني لا أتردد في أن أرتجل ما أعتقد أنه يضحكهم من ذلك».

وضرب على ذلك مثالاُ: كنت أمثل رواية «أبو فصادة»، وكان علي أن أقول عن شخصية امرأة تعشق بل تعبد، وقد ظللت أكرر هذه الجملة في كل مرة أمثل فيها الرواية وأتفنن في تغيير ملامح وجهي ونبرات صوتي، وإشارات يدي لعلي أوفق في إضحاك الناس فكنت كل مرة لا أقابل إلا بالصمت صمتًا مؤلمًا.

ويسترسل الكسار في المقال قائلًا: وأخيرًا حدث بعد ذلك الموقف نفسه «فينيس»، وبدلًا من أن أكمل أنها امرأة تعشق بل تعبد قلت من عندي «فينيس فينيس النيس كونيس»، فضجت الصالة بالضحك الشديد، ومنذ تلك الليلة أضيفت هذه الجملة على دوري في رواية «أبو فصادة» بدلًا من الجملة التي وضعها المؤلف.

ويختتم الكسار المقال «وهكذا تراني أتحسس موضع الغبطة من نفس الجمهور، فأنا لمست هذا الموضع وطفقت أروي زناده حتى أبلغ من هذا الجمهور بغيتي التي هي نفس بغيته».


الخميس، 11 نوفمبر 2021

عزيز عيد وفهيم الفار ومحمد ناجي.. أول فرقة كوميدية مصرية

 

مسرح 



عماد خلاف

لم يكن أحد من المصريين يعرف المسرح الكوميدي بشكله المعتاد والتقليدي، وأول من أدخله الفرنسيون أثناء حملتهم على القاهرة، في أواخر القرن الثامن عشر، حيث أقام دار جيافل ناديا اجتماعيًا للجنود في أحد المنازل بالأزبكية بالقاهرة من أجل الترفيه عنهم، وبعد فترة تكونت جمعية للتمثيل من أعضاء النادي.

هذا المسرح أنشأه نابليون، بوجه البركة، مثلت فيه روايات باللغة الفرنسية ترفيهًا عن الجنود وتسلية لهم، إلى أن دُمر خلال ثورة القاهرة 1799، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد وأطلق عليه اسم مسرح الجمهورية.

شهد هذا المسرح، مسرحيتين كوميديتين لفولتير وموليير في ديسمبر 1800، وفي يناير 1801 مثلت الجمعية أوبريت المحامي باتلان والطحانين تأليف بلزاك، وتلحين ريجيل، ويدور هذا الأوبريت حول حوادث كوميدية ممزوجة بالألحان الموسيقية، يفتعلها منافس في الحب للإيقاع بين حبيبين، وكان كل مشهد كوميدي ينتهي بأغنية مرحة؛ والجبرتي في كتابه «عجائب الأثار في التراجم والأخبار» نوه عن هذا العرض قائلًا: وفيه كمل المكان الذي أنشأه بالأزبكية عند المكان المعروف بباء الهواء، وهو المسمى في لغتهم بالكمدي، وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشرة ليال، ليلة واحدة، يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم، ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة»، واسترسل الجبرتي في وصفه لنصل إلى حقيقة أن عروض المسرح لم تكن مقتصرة على جنود الحملة الفرنسية بل كان يشاهدها نخبة من المصريين، وكانت العروض في معظمها عروضًا كوميدية موسيقية.

بعد ذلك أستولى الشوام على المسرح الكوميدي، إلى أن ظهر عزيز عيد وكون أول فرقة كوميدية، قبل ظهور نجيب الريحاني وعلي الكسار، ومع بداية عام 1906، وخلال عمله في فرقة إسكندر فرح، لمع اسم عزيز عيد من خلال دوره في مسرحية «الملك المتلاهي»، وخلال هذا العام ظهرت فرقتان فرنسيتان مثلت مسرحيات فودفيلية، على مسرح النوفتيه وحديقة الأزبكية، وبعد فترة تعرضت هذه المسرحيات وخصوصًا مسرحية ليلة الزفاف إلي هجوم من جريدة مصر الأسبوعية التي كانت تصدر في ذلك الوقت، لما فيها من رذيلة وخروج عن الآداب العامة، ولأن الشوام، والفرنسيون كانوا مسيطرون على المسرح المصري، تأثر عزيز عيد بهذه العروض وقام بتمصيرها، وكون أول فرقة كوميدية مصرية في تاريخ المسرح المصري، بمساعدة سليمان الحداد، وبدأ عروضه بمسرحية فودفيلية بعنوان مباغتات الطلاق في عام 1907 بمسرح دار التمثيل العربي.

ثم توالت العروض لفرقة عزيز عيد على العديد من المسارح من بينها تياترو عباس بشارع قنطرة الدكة، ومسرح الحمراء وصالة الأعياد بالإسكندرية، ومن بين هذه العروض الكوميدية التي لاقت استحسان المشاهدين «ضربة مقرعة وكوميديا، والابن الخارق للطبيعة، والماسون، والملك يلهو، والزفاف عند الأفرنجي أو ليلة الزفاف».

حاول عزيز عيد إنقاذ فرقته الكوميدية الأولي بعد عزوف المشاهد عنها لاعتماده علي «الفودفيل»، الذي لم تستهوَ المشاهد المصري، ويقوم بعرض بعض المسرحيات المألوفة عند الجماهير، مثل مسرحية «الكابورال العجوز أو الإرث المغتصب»، ومسرحية «في سبيل الاستقلال»، ورغم ما فعله عزيز عيد امتنع الجمهور عن الحضور، وتوقفت الفرقة الأولى الكوميدية في تاريخ مصر، لينضم عزيز عيد مرة أخرى إلى فرقة سلامة حجازي، وبعدها إلى فرقة أولاد عكاشة، وفرقة جورج أبيض، ليعود ممثلا كما كان.

على الرغم من أن عام 1907 شهد أول ظهور فرقة كوميدية مصرية، ظهر معها أول ممثلين مصريين احترفوا تمثيل الفصول المضحكة، بعد أن كان حكرًا على الشوام وهما أحمد فهيم الفار، ومحمد ناجي، وكان الفار في بدايته يعرض فصوله المضحكة ضمن برنامج الفرق المسرحية الكبرى، ومع إقبال الجماهير على فصوله، أصبحت له حفلات خاصة يعرض فيها فصوله المضحكة، وتطورت هذه الفصول فيما بعد لتصبح مسرحيات كوميدية مرتجلة ذات ثلاثة فصول. الفار عرض هذه الفصول بمسرح شارع عبد العزيز وبكازينو المنظر الجميل بالإسكندرية، «دخول الفلاح العسكرية، والعجائب والغرائب، والشيخ المتصابي»، أما محمد ناجي فكان يقدم فصوله المضحكة في نهاية عروض مسرحيات الفرق والجمعيات التمثيلية أمثال فرقة سلامة حجازي، وفرقة أولاد عكاشة، وشركة التمثيل الكبرى، وجمعية التمثيل العصري، ومع ظهور فرقة عزيز عيد الكوميدية ظهرت بعدها فرقة الأخوين سليم وأمين عطا الله، التي ابتكرت أسلوبًا كوميديًا.

 ولم تكن فرقة عزيز عيد الكوميدية الوحيدة على الساحة، بل ظهرت بعدها فرقة الأخوين سليم وأمين عطا الله، التي ابتكرت أسلوبًا كوميديًا جديدًا، وهو تحويل فصول المسرحيات الكلاسيكية المشهورة إلى فصول مضحكة هزلية، كما ظهرت فرقة حسن كامل، التي قدمت مسرحيتي «معرض الزواج، والمستشفى» بنادي موظفي الحكومة المصرية.

وفي عام 1913 كون عزيز عيد مرة أخرى فرقة كوميدية، لتجول بالمحافظات، بدء بالمنيا، بمسرحية ليلة الزفاف، وأشار في إعلاناته عدم حضور السيدات والتلاميذ، فزاد الإقبال الجماهيري، بسبب هذا المنع، وبعد تمثيل المسرحية نشر أحد أعيان المنيا في الصحف، مقالا تحت عنوان حافظوا على الآداب، جاء فيه: لاحظ جميع من حضر التمثيل من الفضلاء، عدم لياقة تمثيل هذه الرواية في بلادنا، لما احتوت عليه من ضروب الخلاعة والأمور المخجلة المعيبة، وليس من حسن الذوق أن يشاهد الناس في اجتماعاتهم العمومية، خلاعة المرأة ونومها في سريرها بملابسها الشفافة، وخلع الرجل لملابسه ليهم بها وتقبليها مرارًا، نقول هذا لأن التمثيل إنما وجد لتهذيب الأخلاق وتقويمها؛ وعليه نطلب من جوق عزيز أفندي عيد عدم تمثيل هذه الرواية مرة أخرى، وبعد هذا الهجوم لم تستمر الفرقة طويلا فتوقفت عن عملها مرة ثانية، بعد عروض متفرقة لم تستغرق شهرين فقط، لتنتهي بعد ذلك أول فرقة مسرحية كوميدية في تاريخ مصر، لتبدأ بعدها ظهور العديد من الفرق ومعها الأسماء الكوميدية اللامعة كنجيب الريحاني وعلي الكسار، ولنا مع هؤلاء مجموعة من الطرائف والمواقف خلال الفترة القادمة.


الأحد، 31 أكتوبر 2021

«البرغوث».. قصة الأجر الذي حصل عليه نجيب الريحاني

نجيب الريحاني

 


عماد خلاف 

كان المسرح الكوميدي في الماضي وتحديدًا في عام 1900 وما بعدها قائما على الارتجال، وتقديم الفصول المضحكة المنفصلة في الحفلات وبعض المقاهي في باب الشعرية، وروض الفرج، وغيرها من المناطق التي كانت مشهورة قديمًا، ومن أشهر هؤلاء المضحكين الأوائل «أحمد الفار» الكبير، ومنافسه الذي تغلب عليه وانتزع منه التسمية «الفار»، ويدعي «أحمد فهيم الفار»، ولهذان الكوميديان مقال خاص بهما قريبًا.

نعود إلى حكاية عملة «البرغوث»، التي رواها ودونها إبراهيم رمزي، التي قضى خمسين عامًا بين مسارح القاهرة والفرق الغنائية ممثلًا ومؤديًا، وقد وهب نفسه للمسرح ورصد رواد المسرح الأوائل، وأعمالهم الفنية التي أسعدوا بها الملايين، بالإضافة إلى نماذج من نوادرهم، ومن بين هذه النوادر التي يرويها ودونها، كانت عن نجيب الريحاني وفرقته المسرحية، والتنافس بينها وبين فرقة أمين عطا الله، ومع بداية العشرينيات سافر نجيب الريحاني وفرقته في أول رحلة لها إلى سوريا ولبنان، وقد سبقها دعاية كبيرة، وكانت تضم عناصر مهمة جدًا وممتازة بين صفوفها، من بينهم استفان روستي، ومنسي فهمي، وكلود ريكانو، ومحمد المغربي، وأصلان مراد وعبد اللطيف المصري وأحمد زكي، الكوميديان الكبير، بالإضافة إلى مزراحي وبوسي، وطافت الفرقة سوريا ولبنان شرقًا وغربًا، وللأسف أُستقبل الريحاني بشكل سيء جدًا ولم توفق الفرقة، والسبب يعود إلى وجود فرقة أمين عطا الله ، التي سبقتها إلي لبنان وسوريا، عدة مرات في السنة.

وكانت هذه الفرقة المسماة باسم أمين عطا الله كانت تطوف البلاد وتقدم نفس روايات الريحاني بعد أعدادها باللهجة المحلية، وكان أمين عطا الله يقوم بدور كشكش بك، وعندما قدمت فرقة الريحاني رواياتها باللهجة المصرية كان الجمهور يصرخ، «شوهايدي.. هايدي الريحاني،.. هايدي بيقلد أمين عطا الله، مع أن شخصية كشكش بك تعود إلى الريحاني مكتشفها.

وانتشرت هذه الدعاية السلبية في كل البلاد السورية واللبنانية، مما كان لها تأثيرًا كبيرًا على الإيرادات، وكانت العملة السائدة في هذا الوقت في سوريا، «البرغوث»، وكان الممثلون المصريون يتقاضون مرتباتهم بالبرغوث.

ومن بين المواقف التي يرويها إبراهيم رمزي عن عملة البرغوث، ما فعله الممثل القديم أحمد زكي، وكان معروف في ذلك الوقت بأنه كوميديان كبير، وخفيف الظل وحاضر النكتة، وفي ليلة من الليالي قبض الممثلون مرتباتهم ومن ضمنهم الممثل أحمد زكي، وفي اليوم التالي بعد أن صرف مرتبه طلب «فلوس» من مصطفى إبراهيم مدير الإدارة، فقال له.. فلوس أيه يا سي زكي أنت مش قابض أمبارح، فقال له أحمد زكي، قبضت أيه، أنتم موش اديتوني شوية براغيت، خدتهم من هنا وطاروا من هنا.

وبعد فترة اضطر نجيب الريحاني العودة إلى مصر، بعد أن فشلت الفرقة، وحجزت أماكن للفرقة في الباخرة، وكان لنجيب الريحاني شقيق يدعى يوسف الريحاني، وكان يرافق الفرقة بقصد «الفسحة»، وحدد يوم السفر وحضرت الفرقة في الموعد المحدد، وقبل قيام الباخرة بساعتين لم يحضر أحمد زكي ويوسف الريحاني، ومر الوقت سريعًا، وراح الريحاني يسأل أحمد زكي بعد وصوله إلى الباخرة عن أخيه يوسف، ليرد عليه، «أكله الذئب ونحن عنه غافلون».

 وعادت الفرقة إلى القاهرة بعد الفشل الذريع،  مع أن الفنانين تألقوا حتى يظهروا مواهبهم، إلا أن اللهجة وأمين عطا الله كانا سببا في عدم نجاح الفرقة في جذب الجمهور اللبناني والسوري، ورغم ما حدث خلال الرحلة الخارجية لفرقة نجيب الريحاني، والمعاناة إلا أن المواقف الكوميدية التي كان يسردها الكوميديان أحمد زكي الفنان الأنيق صاحب المنولوج والوردة الحمراء والحذاء اللميع "اللي علي قد الحال"، ولنا عودة للحديث عن هذه الكوميديان القديم الذي أبهر المصريون، قريبًا في مقال نسرد فيه بدايته وأعماله الفنية.


الخميس، 21 أكتوبر 2021

إسماعيل يس والمشير



إسماعيل يس

 

عماد خلاف 

لن يعود إسماعيل يس إلى الحياة مرة ثانية لينسج من جديد كوميديا قادرة على رسم البسمة على وجوه الجميع، لكنه بكل تأكيد سوف يظل عملاقًا قادرًا على تلوين حياتنا بالضحك، الكل حاول ركب الموجة، لكنهم سقطوا، كل من جاءوا بعده حاولوا مرارًا، وتبقى الحكايات التي تروى عنه خير دليل على أنه عملاق من عمالقة الكوميديا في الوطن العربي.

من بين هذه الحكاوي، التي لا تحصى عندما روى إسماعيل يس معاناته اليومية، التي استمرت لشهور طويلة مع المشير عبد الله السلال الرئيس اليمني، حيث كان يرقد مريضًا في مستشفى المواساة بالإسكندرية، وظل يسافر يوميًا ما بين القاهرة والإسكندرية، وكانت العربة تنتظره يوميًا بعد انتهاء العرض المسرحي في القاهرة، لتنقله إلى حيث يرقد المشير السلال بالمستشفى، ولا يهمه إذا كان إسماعيل يس نام في الطريق أم لا، المهم أن يهون عليه المرض ويجلس بجواره ويلقي عليه بعض النكات، ومعروف عن إسماعيل يس أنه كان يؤلف النكت والقفشات لنفسه، وكان دائم الخروج عن النص في مسرحياته، إلا أن الغريب في أمر المشير السلال، كان يطلب من إسماعيل يس أن يردد نكته واحدة كل ليلة بشكل دائم ومستمر دون تغيير، وكان إسماعيل يضيف بعض الحركات مع تعبيرات «البوق» الذي كان يتميز بها خلال مشواره الفني، ورغم التكرار كان المشير يضحك كل ليلة حتى مل إسماعيل وزهق ولم يزهق المشير.

وظل عذاب إسماعيل يس اليومي مستمر في تكرار النكتة الواحدة أكثر من مرة، ويضيف تفاصيل وحركات من عنده، واقترح إسماعيل أن يسجل النكت على شريط يسمعه المشير حتى لا يسافر من القاهرة إلي الإسكندرية كل ليلة، ورفض المشير السلال، لماذا؟ قال: إن إسماعيل يس عندما يحكي النكتة فإنه يتحرك، كل شيء فيه يتحرك دماغه، وفمه ويداه، وأهم من كل ذلك كرشه.

ويحكي إسماعيل أنه قرر ألا يذهب بلا نكت قديمة ولا جديدة حتى جاءه أحد ضباط الأمن وقال: الرئيس عبد الناصر يرجوك أن.. وقبل أن يكمل ضابط الأمن عباراته رد عليه إسماعيل يرجوني الرئيس يا خبر أسود.. دا أنا أروح عريان ملط يا راجل.. وإذا السلال لم يضحك، فحسب بل فتح فكيه، وحشرت النكت في حلقه حتى يموت من الضحك.

وظل إسماعيل على هذه الحالة حتى فوجئ بكبار المسئولين في دولة اليمن يستقبلونه بحفاوة بالغة، وردد المشير عبد الله السلال الرئيس اليمني عبارات يثني فيها علي إسماعيل قائلا: أنت لا تعرف يا أخ إسماعيل، وأنا قلت هذا الكلام لفخامة الرئيس عبد الناصر، أنه من فضل الله أن خلق لنا إسماعيل يس، فلولاه لكانت حياته كئيبة، وربما حياة كل المصريين والعرب، وأن أعرف أنني قد أرهقتك كثيرًا، وأجدد شكري العميق وامتناني لك، وأرجوك وأتوسل إليك ولأخر مرة أن تقول النكتة التي حكيتها لي مائة مرة فلم أتوقف عن الضحك.

فصرخ إسماعيل: يا نهار أسود يا مشير.. نفس النكتة.

أرجوك.

هذه الحكاية رواها ودونها الكاتب الكبير أنيس منصور، وكان معروفًا عنه أنه غاوي مقالب في زملائه الصحفيين، وكان على علاقة قوية بإسماعيل، وكان يألف النكت ويقولها له حتى يلقيها إسماعيل على المسرح، بالإضافة إلى علاقته القوية بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يعشق إسماعيل يس لدرجة كبيرة، ويؤمن بأهمية الفن والفنانين وقدرتهم على التأثير على المواطنين في الوطن العربي، لذلك أمر وزير الثقافة في ذلك الوقت بعمل مجموعة من الأفلام الكوميدية التي تحبب المواطنين في قواتنا المسلحة، وخرجت مجموعة كبيرة من الأفلام التي أخرجها فطين عبد الوهاب، إسماعيل يس في الجيش، وإسماعيل يس في الأسطول، وغيرها.

لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة الملايين ولا من ذاكرة الأجيال الماضية ولا القادمة، البهجة التي رسمها الفنان "العملاق إسماعيل يس" وأشاعها في حياتنا جميعا.

 


الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

فن التزويغ من كمسري القطارات

 

صورة أرشيفية 


عماد خلاف

أنا من الجيل الذي عاش "سفلقة" علي حساب الحكومة تعلم في مدارسها المجانية وركب قطاراتها بدون أن يدفع جنيه، حتي يوم ما فكرت أذهب لدرس خصوصي في المدرسة الثانوية اعطيت لمدرس العربي علبة سجائر "جولد كوست" وقطعة قماش حرير كان أبويه جايبها من الخليج، ومن يومها وأنا "سايق الهبل علي الشيطنة" حتي أصبح التزويغ أدمان يومي، وأسلوب حياة، وصنعت تجاربي بنفسي،  وخبرتي قائمة علي الاحتكاك اليومي والمعتاد مع البشر "اللي علي كل صنف ولون"، ولأني طول  العمر راكب قطار درجة أولي مكيفة، قررت والنية علي الله أعطي خبرتي القليلة في فن التزويغ من الكمسرية في القطارات كمرحلة أولي، مع التأكيد أن العبد لله موسوعة متنقلة ولديه خبرة عميقة ومتأصلة في كل شيء ومحفورة في الذاكرة وسوف اتلوها حتي يستفيد منها الداني والقاصي من عباد الله المنتشرين في ربوع المحروسة، فخبرتي صنعتها تجارب التزويغ والمرمطة.

عشرين سنة كاملة عشتها في التزويغ من الكمسرية في القطارات، عاشق ومتيم ومغرم بـ "فلنكات السكة الحديد" وحافظها  فلنكة فلنكة، ومتي يهدي سائق القطار ومتي يقف لركوب زميله المنتظر في قرية عرب الرمل،  أي بمعني أصح ليس كل من ركب القطار، أستاذ، الركوب والنزول متعة ما بعدها شيء، كله يهون في عشق الفلنكات.

والفلنكات كالبشر منها الحديد والخشب والمكسور والمبتور، ومنهم المستجد والأستاذ فهم علي كل شكل ولون، ولو كنت  غاوي تزويغ من الكمسرية في القطارات، وناوي تصك سكك حديد مصر علي قفاها، عليك اتباع مجموعة من النصائح المجربة "اللي قام بيها العبد لله" وعليها ضمان عام كامل تبرطع وتركب القطار "سفلقة" علي حساب الحكومة "رايح جاي" ولو ناوي تعزم أصحابك علي ركوبة "ببلاش" من غير ما تدفع مليم واحد، عليك وعلي سكك حديد مصر، ولكن قبل أن تكون أحد عملاء وراكبي السكة الحديد ومختوم بختم شعار الجمهورية "س ح م".

قبل أن تركب القطار فهناك طرق عديدة للتزويغ، فهناك الكمسري "الرخم" والغلس" والطيب، والشرير، والغائب طول المحطات، فأذا كان الكمسري من النوعية الأولي المعروفة بالرخم ما عليك إلا أن تضع يدك في جيبك وأخرج أي كارنيه حتي لو كان كارنيه نادي مركز شباب"عزبة كفر محمود" المهم أن عيونه تقع علي شيء مربع ومكتوب عليه اسمك وصورتك، وقبل أن تقع عيونه علي الكارنيه اسحبه بسرعة وضعه في جيبك، وخلي عيونك مركزة علي عيونه، ولو صمم أخرج الكارنيه تاني مع تكرار نفس الحركة، وكرر جملة ما خلاص "ياريس" المصريون مدمنون وعاشقون لهذه الكلمة، الأبتسامة سوف تملآ وجهه ويلفت لأخد غيرك.

أما لو الكمسري من النوعية الثانية والمعروفة بالشرير، حاول بقدر الإمكان تكسب وده، بمعني أن لما يقرب منك أفضل اسأل الركاب جنبك هو القطار "رايح فين" إسكندرية مثلا،  أضرب أيدك علي وشك مع رسم تكشيرة عريضة علي ملامحك، "يالهوي أنا رايح بني سويف" أنا ركبت غلط، كرر الجملة عشرين مرة "أنا ركبت غلط" طبعا الناس سوف تتعاطف معاك، والكمسري من بينهم، وسوف يقترح عليك أحد الوافقين أن تنزل في محطة  بنها، وترجع تاني، من المؤكد ساعتها أنك عديت من رخامة الكمسري، ولم تدفع جنيه واحد، ووصلت بيتك ببلاش.

 وهناك حقيقة مؤلمة يهرب منها الجميع أن أغلب راكبي قطارات الدرجة الثانية "اللي بيقولوا عليها مميزة" غاوين تزويغ ما بين الرمي علي أرفف العربة بدل "الشنط" والنوم ببلاش، ولو فضل الكمسري ينادي عليه ويزعق ويشخط في صاحبنا المزوغ ويشخط فيه ويحرك جسمه بأيده وهو عامل نفسه من بنها ونايم وبيشخر كمان ومرمي فوق وفارد جسمه، ولبس الحذاء ومليان طين، وقبل أن يطلع ويرمي نفسه فوق، "الجزمة بتاعت سلامته تفضل توزع الطين الملزوق فيها علي قفا الجالسين علي الكراسي بالإضافة إلي لطعه من حذائه علي ملابسهم وغيرها من التصرفات الغريبة والعجيبة.