الجمعة، 21 يناير 2022

المخرج مراد مصطفي: لدي حلم أريد أن أحققه.. والشخصيات النسائية ملهمة لي

المخرج مراد مصطفي 



يخطو المخرج مراد مصطفي بثبات وثقة في مجال الإخراج السينمائي منذ سنوات، موهبة جديرة بالمتابعة والاهتمام لديه شغف وحب ورغبة في التجديد والخروج عن المألوف، كاشفا عن وجه أخر وفكر مختلف، يحمل داخله أحلام كبيرة، وعلي الرغم من قلة أعماله السينمائية لكنها عرفت طريقها إلي المهرجانات وحصل علي العديد من الجوائز.

مراد مصطفي درس الإخراج في قصر السينما، شارك كمساعد مخرج في واحد صعيدي، والقشاش وعمر وسلوي، ونوارة وعيال حريفة، والجماعة الجزء الثاني، ولدينا أقوال أخري، وغيرها من الأفلام ولكن أول تجربة له كمخرج في فيلم حنة ورد الفيلم القصير 2019 وفيلم خديجة، وغيرها من الأفلام التي تؤكد أننا أمام مخرج يحمل داخله الكثير لكي يقدمه إلي السينما المصرية والعربية خلال الفترة القادمة.

هل يمكن تصنيفك كمخرج أفلام قصيرة؟

هذا شرف لي ولكن أنا لا اؤمن بالتصنيف في السينما هي سينما أي كان مدة الفيلم، ولا تعنيني في شيء لكن المهم الفيلم من الممكن أن يكون مدته 5 دقائق أو 5 ساعات.

هل معني أنك تكتب السيناريو أن غير مقتنع بالكتاب الأن؟

نوع السينما التي تعجبني هي سينما المؤلف فالمخرج ليس مجرد أن يضع الكاميرا في الزاوية الفلانية، المخرج رؤية وفكر وهم وطموح، وبكل تأكيد يريد أن يحكي من خلال شريط سينمائي، وهذا ليس بضرورة فيه تقليل من شأن الكتاب ولكن أنا لدي هموم وأحلام فلابد أن أكتب لنفسي السيناريوهات حتي أعبر عن وجهة نظري.

خديجة وما لانعرفه عن مريم وحنة ورد أفلامك السابقة لماذا المرأة في كل أفلامك؟

الشخصيات النسائية دائما ملهمة بالنسبة لي فأنا كنت طفل وحيد يعيش مع أمه منذ الصغر وحتي وقت قريب ودائما كنت أسمع منها حكايات عن النساء وبعيونها كانت لها تأثير كبير وقوي علي حتي في فيلمي الأول «حنة ورد» كانت تجربة حقيقة عايشتها مع أمي في ليلة حنة.

ودائما ما تثيرني الموضوعات المتعلقة بالمجتمع المصري في الأونة الأخيرة وما يعاني منه البسطاء والضغط الاجتماعي المسلط عليهم وعلاقات الأفراد بشكل عام ببعضهم البعض وعلاقتهم بالمجتمع الداخلي والتغير الاجتماعي والثقافي الذي طرأ عليها،  والذي توج بتحولات كبري في مرحلة ما بعد الثورة حيث كان يتميز المجتمع المصري من قبل بسمات أصيلة وأقرب إلي الثبات وهذا ما أحاول أن أبحث عنه أو أرصده في حكاياتي

 وهذا شيئا فشيئا يلتحم مع هموم وأحلام الناس الحالية ويتأثر به المشاهد أي كان جنسيته أو نوعه فأنا متأكد أننا سوف نشعر به أذا شاهدنا الثلاث أفلام تبعا كدفعة واحدة، فمن الممكن أن يعبر الفيلم عني أنا شخصيا وعن أفكاري وهمومي كرجل حتي لو كانت عن طريق حدوتة بطلتها امرأة، لأني في أفلامي السابقة والقادمة المكان وبعض الشخصيات الأخري والظروف المحيطة بالأحداث هي بطلا جنبا إلي جانب مع الشخصية الرئيسية، حيث كان في البداية لدي ثلاث حكايات قاسية أحاول من خلالهم أن اتسأل وأفكر في هذا التغير الاجتماعي لأفكارنا  ومجتمعنا بما فيهم الأطفال والرجال وليس النساء فقط والذي تم من خلال تلك الحكايات صنع 3 أفلام قصيرة أفتخر بهم وتم اختيارهم جميعا في مهرجان عظيم بحجم كليرمون فيران.

ما الفرق بين أفلام المهرجانات والأفلام التجارية العادية؟

الفرق بسيط الفيلم التجاري هو الفيلم الذي تصنع من اجل المنتج لكي يربح من خلاله ولكن الفيلم المستقل هو الفيلم الذي يصنع من اجل وجهه نظر المخرج وذوقه الخاص.

هل أنت مخرج مهرجانات سينمائية فقط؟

أنا مخرج فقط وضد التصنيف دائما لانه غير دقيق.

رغم كثرة المهرجانات السينمائية لكن لا توجد أفلام مصرية ما السر في ذلك؟

أري أن صناعة السينما في مصر أصبحت أفضل فهناك أفلام جيدة في الفترة الأخيرة والعدد ليس المعيار وأنما الجودة، كما أن المهرجانات ساهمت في أزدهار السينما المصرية.

علي الرغم من كثرة الجوائز التي حصلت عليها من أفلامك أيهما أقرب إليك؟

هذا سؤال صعب  لأني أحبهم كلهم  وأري أنهم ثلاثية تكمل بعضها فكلا منهم بالنسبة لي له حب خاص.

عملت في بداية حياتك مساعد مخرج في أفلام يطلق عليها أفلام الشباب وفجأة توقفت ورحت مكان أخر لماذا؟

كنت أريد أن أعمل في السينما بأي طريقة وكانت هذا هو الطريق الوحيد وقتها ولكن ذوقي وطموحي كان في كيفية العمل في أفلام مختلفة وهامة مثل فيلم سعاد.

ما رأيك فيما يقال من أن الفيلم الفلاني يسيء إلي سمعه مصر؟

هذا عبث وغير منطقي الحديث عنه الأن لأنه أشبه بعصر القرون الوسط

دع القاريء يري مستقبل المخرج مراد مصطفي من خلال وجهة نظرك أنت، أو بمعني أخر أكشف عن أمنياتك القادمة؟

أتمني لي ولجيلي كله، “سامح علاء، وعمر الزهيري وغيرهم الكثير، أن يكن لنا بصمة كبيرة في تاريخ السينما المصرية والعربية ونكمل ما حققته الأجيال السابقة، وأنا أري دائما السينما المصرية والفن المصري في أزدهار وتقدم لأن الفن لغة الشعوب.


الجمعة، 14 يناير 2022

العفاريت تخفي "فردة" حذاء عقيلة راتب في أول أفلامها

عقيلة راتب 

عماد خلاف 

ما بين 22 مارس عام 1916، إلي 22 فبراير عام 1999، تألقت عقيلة راتب، وظلت بإدائها المتميز الراقي، تستحوذ علي قلوب وعقول المشاهدين في الوطن العربي، كان والدها رئيس لقسم الترجمة بوزارة الخارجية، بالإضافة إلي تخرجها من مدرسة التوفيق القبطية، ومع بداية حياتها الفنية، كانت تغني في الحفلات، والتحقت بفرقة علي الكسار وعزيز عيد، لتقدم أغنيات بين فصول المسرحيات التي يقدمونها علي المسرح.

شاركت عقيلة راتب بفيلمين في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهما السوق السوداء 1945، والقاهرة 30 عام 1966، في استفتاء النقاد، بالإضافة إلي أبرز أعمالها الفرسان الثلاثة، واحترسي من الرجال ياماما، والبعض يذهبون للمأذون مرتين، وعائلة زيزي، وغيرها من الأفلام.

وفي أخر أيامها فقدت بصرها، بعد رحلة عطاء طويلة مع السينما لتصل حصيلة أعمالها 97 عمل فني، ومن بين المواقف التي ترويها الفنانة عقيلة راتب، حكايتها مع أول فيلم قامت ببطولة وكان بعنوان "اليد السوداء".

عقيلة راتب وأول أفلامها 

تروي عقيلة راتب عن أول أفلامها قائلة: أول أدوار البطولة التي مثلتها كانت في الفيلم البوليسي "اليد السوداء"، 1936، واشترك معي في تمثيله زوجي حامد زوجي والبطل الرياضي المعروف مختار حسين، وأغلب مناظر هذا الفيلم كانت تصور في الشوارع، فلم تكن الأستديوهات المصرية قد نالت حظها الكافي بعد الأمكانيات.

وكان علينا أن تلتقط بعض مناظر هذا الفيلم علي جبل المقطم في مكان مرتفع وذهبنا إلي المقطم في ذات صباح، وبدأنا نعمل علي مشهد كان علي فيه أن أهرب من رجال البوليس وهم يطاردونني، بينما يتحتم علي أن ارتدي حذاء، كعب عالي، حتي يعوقني من الجري فيمسك بي رجال البوليس.

وبدأنا العمل ودارت الكاميرا تصور وجريت عدة أمتار ثم فوجئت، "بفردة" من حذائي تخلع من قدمي وتختفي فجأة ودار البحث عن فردة الحذاء الضائعة إذا هي عامل هام في اللقطات التي نصورها دون جدوي، ومر اليوم كاملا نبحث عن فردة الحذاء وكانت الرحلة من الجبل إلي المدينة القاهرة شاقة جدا تستغرق نصف يوم كامل ولهذا صرفنا النظر من العودة إلي العمران وشراء حذاء جديد، وكان الوقت صيفا وبدأ الحر يشتد، وطال بحثنا عن الحذاء المفقود بلا جدوي، وساد الاعتقاد بأن العفاريت تعاكسنا بسرقة فردة الحذاء، وأجل المخرج العمل إلي اليوم الثاني، وعدنا من حيث أتينا، ومن الطريف أن المخرج تشاءم من الحادث فقرر أن يصور اللقطات في جبل أخر غير المقطم.


الجمعة، 3 ديسمبر 2021

ملك الترسو فريد شوقي: رأيت إعدام زوج عمتي

فريد شوقي


 كتب عماد خلاف

لقب بملك الترسو والسينما والفتوة، وغيرها من الألقاب التي ظلت تلاحق فريد شوقي طيلة حياته وبعد مماته، حصل علي جائزة الدولة عن قصة، "جعلوني مجرما"، وجائزة الإنتاج من مهرجان برلين عام 1994،  ووسام العلم عام 1955، كما كرمه مهرجان القاهرة السينمائي عام 1994، ولا يمكن أن ينسي زملاءه الفنانين تأسيسه اتحاد الفنانين في عام 1986، مسيرة حافلة بالأدوار السينمائية التي تألق فيها فريد شوقي.

من بين الحكايات القديمة التي رواها فريد شوقي في مذكراته ما حدث له في طفولته، قائلا: تقدم زوج عمتي بخطوات ثابته نحو المقصلة، لم يرتجف عندما وضعوا حبل المنشقة حول عنقه، ولم تذرف عيناه دمعة واحدة وهو يودع الحياة الوداع الأخير قبل أن يصل إلي سن الثلاثين، وسألوه السؤال التقليدي، ماذا تطلب يا محمود؟ ونظر إلي زوجته، عمتي الشابة البارعة الجمال التي وقفت وقلبها يتمزق وهي تري زوجها يساق أمامها إلي الموت دون أن تقدر علي الاعتراض، لحظة الوداع مؤثرة، ومنظر رهيب مفجع، وتعلقت نظراته الأخيرة بابنه، الطفل الصغير الراقد فوق صدر زوجته، لا يفهم سر دموع أمه، التي لا تتوقف، ولا يعرف لماذا يضعون هذا الحبل الغليظ حول رقبة أبيه

ولم يقل محمود إسماعيل زوج عمتي سوي جملة واحدة، "أنا وزوجتي وأبني فداء للوطن، ثم صمت إلي الأبد، واستمر نفس المنظر الكئيب، وتكرر ست مرات أخري، وتقدم عامل في السكة الحديد بنفس الثبات نحو حبل المشنقة ليسألوه نفس السؤال

-ماذا تطلب قبل الإعدام؟

وقال العامل الفقير الأمينن أنا مدين لعم حسنين البقال بمبلغ ثلاثة جنيهات وأربعين قرشا، أدفعوهم له بعد ما تشنقوني.

ثم تقدم الخمسة الأخرون ليسمعوا نفس السؤال، وليعيشوا نفس الموقف الرهيب الذي تنخلع وتهتز له أقوي وأقسي القلوب.

عادت عمتي لتقيم معنا في البيت لقد أصبحت أرملة وهي في قمة شبابها وجمالها وكان عزاؤها الوحيد أن زوجها محمود إسماعيل مات بطلا فهو رئيس جمعية اليد السوداء التي كانت تضم نخبة كبيرة من شباب مصر الوطنيين المخلصين الذين لم يكن لهم إلا هدف واحد، الكفاح ضد الاستعمار الإنجليزي.

لقد فوجئ الإنجليز بل فوجئت مصر كلها بنبأ مقتل السردار الحاكم الإنجليزي، ووجهت تهمة القتل إلي هؤلاء السبعة من خيرة شباب جمعية اليد السوداء، وضغط الإنجليز بشدة علي القضاء المصري لكي يصدر حكمة بالإعدام شنقا لرئيس الجمعية زوج عمتي وزملائه الست الأخرين.

تفتحت عيناي علي الحياة في عام 1925 وأنا أسمع هذه القصة كل يوم تقريبا وعمتي الأرملة تقيم معنا في نفس البيت الذي مازلت أذكره جيدا.

مسيرة فريد شوقي حافلة بالأفلام والمسلسلات والمسرحيات وصلت إلي 385، تألق خلالها في أدوار عديدة تنوعت ما بين الطيب والشرير والبخيل، وغيرها من الأدوار التي أكدت نجومية ملك الترسو الذي حفر أسمه وسط عباقرة الفن.

 


الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

كشكش بك

نجيب الريحاني 

عماد خلاف 

عاش نجيب الريحاني أيامًا عصيبة كغيره من ملوك الكوميديا في الوطن العربي، ما بين البدايات والنهايات حكايات ومواقف كثيرة تروي عن أحد الرواد الأوائل الذي أجبره الجمهور على أن يكون ممثلًا كوميديًا، مع أنه كان يعشق الدراما، بالإضافة إلى احتقار والدته له كممثل، إلى أن غيرت رأيها في النهاية عندما كانت تستقل المترو عائدة إلى منزلها في مصر الجديدة، وسمعت أناس يتحدثون عن ابنها نجيب الريحاني، ويثنون عليه ويشيدون بفنه الرائع، وما أن سمعت الإشادة، وقفت في وسط عربة المترو واتجهت إلى المتكلمين وقالت بأعلى صوتها، الراجل اللي بتتكلموا عنه ده يبقي ابني، أنا والدة نجيب الريحاني الممثل، ويصف الريحاني هذا المشهد في مذكراته قائلا: أمي التي كانت تأنف أن أوصم بالممثل، هي التي جاءتني إلى تياترو "الإجيسياية" خصيصًا لمشاهدتي فكان هذا اليوم من أسعد، إن لم يكن أسعد أيام حياتي.

 نجيب الريحاني وبديع خيري

حتى أن بديع خيري الصديق الوفي له قال إن نجيب الريحاني كان يحترم فنه ويعتكف في غرفته في المسرح قبل الخروج إلى خشبة المسرح ساعة كاملة وأكثر، وأنه في عام 1942 كان الدكتور روزات قد نصحه بالابتعاد عن المسرح ستة أشهر حرصًا على صحته إلا أن الريحاني قال مقولته: خير لي أن أقضي نحبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي.

 كشكش بك

وشخصية "كشكش بك" عمدة كفر البلاص، حكاية يرويها نجيب الريحاني في مذكراته مؤكدًا أنها خيال، واصفا لحظة ابتكارها عندما كان نائمًا ليرى بعينه شخصًا يرتدي الجبة والقفطان وعلي رأسه عمامة ريفية كبيرة، ليستيقظ من نومه، ويقوم الريحاني بإدخال بعض التعديلات على الشخصية، لتصبح عبارة عن عمدة من الريف يأتي إلى القاهرة ويحمل معه الكثير من المال وتلتف حوله النساء الحسناوات ليضيع ماله عليهن، وما أن تمخضت الشخصية واكتملت في ذهن الريحاني حتى ذهب بها إلي الخواجة "روزاتي" صاحب ملهي "الابيه دي روز" الذي كان على وشك الإفلاس وإغلاق الملهي، ويرجوه الريحاني أن يؤجل الغلق أيامًا قليلة حتى يقوم بعرض الشخصية على المسرح وبالفعل كانت أولى الروايات "كشكش بك"، وكانت عبارة عن اسكتش فكاهي لمدة عشرين دقيقة وجعل اسم الرواية "تعالي لي يا بطة" وبالفعل نجحت شخصية كشكش بك، وأرتفع أجر الريحاني من 40 قرشًا إلى سبعة وعشرين جنيها في الشهر، وظلت تقدم على خشبة المسرح لمدة ثلاث شهور كاملة، إلى أن طالب الريحاني بزيادة أجره مرة ثالثة ولكن صاحب الملهي رفض.

 انتقل الريحاني إلى مسرح "الرينسانس" وكان صاحبه الخواجة "ديموكنجس"، فما كان من صاحب الملهي الأول الذي ظهرت عنده شخصية كشكش بك إلا أن رفع دعوى قضائية، يطالب فيها الريحاني بتعويض ألف جنيه باعتباره صاحب الملهي الذي ابتكر اسم كشكش بك، ولكن القاضي قضى برفض الدعوى وإلزام المسيو روزاتي بدفع مائة جنيه، بالإضافة إلى تسجيل اسم كشكش بك للريحاني كأول مبتكر له وأول مؤلف استعمله، وتألفت الفرقة من أمين صدقي، ونجيب الريحاني، واستيفان روستي وعبد اللطيف المصري، وأنضم إليهم عبد اللطيف جمجوم، وبالفعل بدأت البروفات الأولى في اختيار اسم للنص المسرحي الذي سيقدم على مسرح الرينسانس، واتفق أعضاء الفرقة على أن يكون الاسم أداة لإغاظة المسيو روزاتي الذي رفع الدعوى القضائية وسميت بـ "أبقى قابليني" وبهذه التسمية كانت بداية  لشكل جديد من الكوميديا وهو عبارة عن "التأويز والتريقة" على الغير واستعمال اصطلاحات وأمثال شتى ليذهب بها الخصوم إلى تفسيرها بأشكال عديدة.


بعد فترة تم اختيار اسم جديد لعرض مسرحي آخر وكان بعنوان "كشكش بك في باريس"، وأصبح اسم كشكش بك مشهورًا جدًا في القصور والميادين والأزقة والحواري والقرى في كل ربوع مصر، حتى جاء النص المسرحي الأخير بعنوان "وصية كشكش" ليسدل الستار على شخصية ابتكرها نجيب الريحاني، وأضاف عليها لتصبح حديث الناس لفترة طويلة.


الخميس، 18 نوفمبر 2021

علي الكسار.. المظلوم

 

المبدع علي الكسار


عماد خلاف

يأتي «علي الكسار» من بين رواد الكوميديا في الوطن العربي، وأحد الأوائل الذين أرسوا قواعد الضحكة على شفاه الملايين، ويُنسب إليه، ونجيب الريحاني، وشكوكو، وإسماعيل يس، وعبد المنعم مدبولي، وزينات صدقي، وغيرهم، أنهم أصحاب المدرسة الكوميدية الخالية من الاستظراف.

ولكن للأسف لم يحصل «علي الكسار» علي حقه حتي هذه اللحظة بأنه صاحب مدرسة كوميدية فريدة يقف بجانب نجيب الريحاني وفي بعض الأحيان يسبقه حيث ظل الأثنان ينافسان بعضها البعض علي مسارح القاهرة والأقاليم، وكلما ذكر المسرح يذكر نجيب الريحاني دون الألتفاف إلي عملاق من عمالقة الضحك علي الكسار الذي عاش ومات دون أن يعطيه أحد حقه، وعن هذا الجزء سوف نسترسل قريبا بحكايات تؤكد أن علي الكسار لا يقل عن نجيب الريحاني بل يسبقه ورغم النجومية التي عاش فيها لكنه مات فقيرا ومنسيا.

كان الكسار من بين الفنانين الكبار الذين لم يبخلوا على المجلات والصحف بمقالات يكتبون فيها ما يشاءون.

ومن بين الكنوز التي عثرتُ عليها، مقالًا لرائد الكوميديا علي الكسار في العدد الأول من مجلة «الكواكب»، وتحديدًا في 28 مارس 1932، وكان ثمن النسخة من المجلة 5 مليمات، وجاء بعنوان "كيف أُضحك الناس؟".

وعبّر الكسار في هذا المقال عن الكثير مما يجول في خاطره، راسمًا بقلمه الخطوات التي يجب أن يسير عليها الكوميديان حتى لو خرج على النص المكتوب، وفي بداية المقال يوضح الكيفية التي يعتمد عليها في رسم البسمة على الشفاه من خلال اعتماده، قبل كل شيء على حركات العينين «المييك»، في إضحاك الناس.

وحتى يبرهن على الكسار على صدق ما يقوله في المقال استرسل قائلًا: ولكي أبرهن لك على صحة ذلك، أرجو أن تتخيل ممثلًا يتكلم وهو يعطي ظهره إليك، هل تظن أنه يضحك أحدا مهما يكن ظريفًا وخفيف الظل في كلامه؟

                             

ويكشف الكسار في الجزء الثاني من المقال عن بداية تقمصه شخصية البربري قائلًا: ويرجع اختياري لشخصية البربري إلى عام 1916، إذ كنت أعمل قبل ذلك مع جورج دخول، الذي اخترع شخصية كامل الأصلي، وقد كان يعتمد في إضحاك الناس على اللهجة السورية التي كان يلقي بها كلماته؛ ولكن في ذلك العام كنت مشتركًا مع مصطفى أفندي أمين في العمل، وفكرنا في إخراج قصة عنوانها «حسن أبو علي سرق المعزة» فاخترت لنفسي شخصية «بربري» اعتقادًا مني بأن هذه الشخصية غنية يستطيع الممثل أن يجد فيها مجالًا واسعًا للعمل والابتكار، ولم يكن أحدٌ من الممثلين المصريين قد مثّل شخصية البربري قبل ذلك، فوجدت أنني أستطيع أن أستغل بلاهة «البربري» كعنصر أساسي من عناصر الإضحاك، كما أن هناك نواحٍ أخرى من هذه الشخصية لا تخيب في إضحاك الناس، ويكفي لذلك أن يعمد «البربري» إلى الخبث والمؤامرة برغم بلاهته وسذاجته، أو أن تشتد به ثورة الغضب لكرامته وتظهر «زربونته».

ويشير «الكسار» إلى إشادة الممثل الفرنسي الكبير دني دينيس به عندما زار مسرحي، قال: «إنني أمتاز وأنا أمثل على خشبة المسرح بأنني أشتغل في الوقت نفسه مع الجمهور الذي جاء يشاهدني، فأنا أحرص دائمًا على أن تكون الصلة بيني وبين الصالة قوية ومستمرة، فإذا اتضح لي أن الكلام الذي وضعه المؤلف على لساني لم يوفق في إضحاك الناس، فإنني لا أتردد في أن أرتجل ما أعتقد أنه يضحكهم من ذلك».

وضرب على ذلك مثالاُ: كنت أمثل رواية «أبو فصادة»، وكان علي أن أقول عن شخصية امرأة تعشق بل تعبد، وقد ظللت أكرر هذه الجملة في كل مرة أمثل فيها الرواية وأتفنن في تغيير ملامح وجهي ونبرات صوتي، وإشارات يدي لعلي أوفق في إضحاك الناس فكنت كل مرة لا أقابل إلا بالصمت صمتًا مؤلمًا.

ويسترسل الكسار في المقال قائلًا: وأخيرًا حدث بعد ذلك الموقف نفسه «فينيس»، وبدلًا من أن أكمل أنها امرأة تعشق بل تعبد قلت من عندي «فينيس فينيس النيس كونيس»، فضجت الصالة بالضحك الشديد، ومنذ تلك الليلة أضيفت هذه الجملة على دوري في رواية «أبو فصادة» بدلًا من الجملة التي وضعها المؤلف.

ويختتم الكسار المقال «وهكذا تراني أتحسس موضع الغبطة من نفس الجمهور، فأنا لمست هذا الموضع وطفقت أروي زناده حتى أبلغ من هذا الجمهور بغيتي التي هي نفس بغيته».


الخميس، 11 نوفمبر 2021

عزيز عيد وفهيم الفار ومحمد ناجي.. أول فرقة كوميدية مصرية

 

مسرح 



عماد خلاف

لم يكن أحد من المصريين يعرف المسرح الكوميدي بشكله المعتاد والتقليدي، وأول من أدخله الفرنسيون أثناء حملتهم على القاهرة، في أواخر القرن الثامن عشر، حيث أقام دار جيافل ناديا اجتماعيًا للجنود في أحد المنازل بالأزبكية بالقاهرة من أجل الترفيه عنهم، وبعد فترة تكونت جمعية للتمثيل من أعضاء النادي.

هذا المسرح أنشأه نابليون، بوجه البركة، مثلت فيه روايات باللغة الفرنسية ترفيهًا عن الجنود وتسلية لهم، إلى أن دُمر خلال ثورة القاهرة 1799، فأعاد الجنرال مينو بناءه من جديد وأطلق عليه اسم مسرح الجمهورية.

شهد هذا المسرح، مسرحيتين كوميديتين لفولتير وموليير في ديسمبر 1800، وفي يناير 1801 مثلت الجمعية أوبريت المحامي باتلان والطحانين تأليف بلزاك، وتلحين ريجيل، ويدور هذا الأوبريت حول حوادث كوميدية ممزوجة بالألحان الموسيقية، يفتعلها منافس في الحب للإيقاع بين حبيبين، وكان كل مشهد كوميدي ينتهي بأغنية مرحة؛ والجبرتي في كتابه «عجائب الأثار في التراجم والأخبار» نوه عن هذا العرض قائلًا: وفيه كمل المكان الذي أنشأه بالأزبكية عند المكان المعروف بباء الهواء، وهو المسمى في لغتهم بالكمدي، وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشرة ليال، ليلة واحدة، يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم، ولا يدخل أحد إليه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة»، واسترسل الجبرتي في وصفه لنصل إلى حقيقة أن عروض المسرح لم تكن مقتصرة على جنود الحملة الفرنسية بل كان يشاهدها نخبة من المصريين، وكانت العروض في معظمها عروضًا كوميدية موسيقية.

بعد ذلك أستولى الشوام على المسرح الكوميدي، إلى أن ظهر عزيز عيد وكون أول فرقة كوميدية، قبل ظهور نجيب الريحاني وعلي الكسار، ومع بداية عام 1906، وخلال عمله في فرقة إسكندر فرح، لمع اسم عزيز عيد من خلال دوره في مسرحية «الملك المتلاهي»، وخلال هذا العام ظهرت فرقتان فرنسيتان مثلت مسرحيات فودفيلية، على مسرح النوفتيه وحديقة الأزبكية، وبعد فترة تعرضت هذه المسرحيات وخصوصًا مسرحية ليلة الزفاف إلي هجوم من جريدة مصر الأسبوعية التي كانت تصدر في ذلك الوقت، لما فيها من رذيلة وخروج عن الآداب العامة، ولأن الشوام، والفرنسيون كانوا مسيطرون على المسرح المصري، تأثر عزيز عيد بهذه العروض وقام بتمصيرها، وكون أول فرقة كوميدية مصرية في تاريخ المسرح المصري، بمساعدة سليمان الحداد، وبدأ عروضه بمسرحية فودفيلية بعنوان مباغتات الطلاق في عام 1907 بمسرح دار التمثيل العربي.

ثم توالت العروض لفرقة عزيز عيد على العديد من المسارح من بينها تياترو عباس بشارع قنطرة الدكة، ومسرح الحمراء وصالة الأعياد بالإسكندرية، ومن بين هذه العروض الكوميدية التي لاقت استحسان المشاهدين «ضربة مقرعة وكوميديا، والابن الخارق للطبيعة، والماسون، والملك يلهو، والزفاف عند الأفرنجي أو ليلة الزفاف».

حاول عزيز عيد إنقاذ فرقته الكوميدية الأولي بعد عزوف المشاهد عنها لاعتماده علي «الفودفيل»، الذي لم تستهوَ المشاهد المصري، ويقوم بعرض بعض المسرحيات المألوفة عند الجماهير، مثل مسرحية «الكابورال العجوز أو الإرث المغتصب»، ومسرحية «في سبيل الاستقلال»، ورغم ما فعله عزيز عيد امتنع الجمهور عن الحضور، وتوقفت الفرقة الأولى الكوميدية في تاريخ مصر، لينضم عزيز عيد مرة أخرى إلى فرقة سلامة حجازي، وبعدها إلى فرقة أولاد عكاشة، وفرقة جورج أبيض، ليعود ممثلا كما كان.

على الرغم من أن عام 1907 شهد أول ظهور فرقة كوميدية مصرية، ظهر معها أول ممثلين مصريين احترفوا تمثيل الفصول المضحكة، بعد أن كان حكرًا على الشوام وهما أحمد فهيم الفار، ومحمد ناجي، وكان الفار في بدايته يعرض فصوله المضحكة ضمن برنامج الفرق المسرحية الكبرى، ومع إقبال الجماهير على فصوله، أصبحت له حفلات خاصة يعرض فيها فصوله المضحكة، وتطورت هذه الفصول فيما بعد لتصبح مسرحيات كوميدية مرتجلة ذات ثلاثة فصول. الفار عرض هذه الفصول بمسرح شارع عبد العزيز وبكازينو المنظر الجميل بالإسكندرية، «دخول الفلاح العسكرية، والعجائب والغرائب، والشيخ المتصابي»، أما محمد ناجي فكان يقدم فصوله المضحكة في نهاية عروض مسرحيات الفرق والجمعيات التمثيلية أمثال فرقة سلامة حجازي، وفرقة أولاد عكاشة، وشركة التمثيل الكبرى، وجمعية التمثيل العصري، ومع ظهور فرقة عزيز عيد الكوميدية ظهرت بعدها فرقة الأخوين سليم وأمين عطا الله، التي ابتكرت أسلوبًا كوميديًا.

 ولم تكن فرقة عزيز عيد الكوميدية الوحيدة على الساحة، بل ظهرت بعدها فرقة الأخوين سليم وأمين عطا الله، التي ابتكرت أسلوبًا كوميديًا جديدًا، وهو تحويل فصول المسرحيات الكلاسيكية المشهورة إلى فصول مضحكة هزلية، كما ظهرت فرقة حسن كامل، التي قدمت مسرحيتي «معرض الزواج، والمستشفى» بنادي موظفي الحكومة المصرية.

وفي عام 1913 كون عزيز عيد مرة أخرى فرقة كوميدية، لتجول بالمحافظات، بدء بالمنيا، بمسرحية ليلة الزفاف، وأشار في إعلاناته عدم حضور السيدات والتلاميذ، فزاد الإقبال الجماهيري، بسبب هذا المنع، وبعد تمثيل المسرحية نشر أحد أعيان المنيا في الصحف، مقالا تحت عنوان حافظوا على الآداب، جاء فيه: لاحظ جميع من حضر التمثيل من الفضلاء، عدم لياقة تمثيل هذه الرواية في بلادنا، لما احتوت عليه من ضروب الخلاعة والأمور المخجلة المعيبة، وليس من حسن الذوق أن يشاهد الناس في اجتماعاتهم العمومية، خلاعة المرأة ونومها في سريرها بملابسها الشفافة، وخلع الرجل لملابسه ليهم بها وتقبليها مرارًا، نقول هذا لأن التمثيل إنما وجد لتهذيب الأخلاق وتقويمها؛ وعليه نطلب من جوق عزيز أفندي عيد عدم تمثيل هذه الرواية مرة أخرى، وبعد هذا الهجوم لم تستمر الفرقة طويلا فتوقفت عن عملها مرة ثانية، بعد عروض متفرقة لم تستغرق شهرين فقط، لتنتهي بعد ذلك أول فرقة مسرحية كوميدية في تاريخ مصر، لتبدأ بعدها ظهور العديد من الفرق ومعها الأسماء الكوميدية اللامعة كنجيب الريحاني وعلي الكسار، ولنا مع هؤلاء مجموعة من الطرائف والمواقف خلال الفترة القادمة.


السبت، 6 نوفمبر 2021

سهير رمزي تنقذ أمها من الموت

 

سهير رمزي ووالدتها


عماد خلاف

قطعة الآيس كريم الدافئة سهير رمزي الذي عشقها الجميع، ووقف أمامها المخرجين والمؤلفين مبهورين بإدائها البسيط والممتع، الفاتنة والدلوعة والمهندسة الجميلة التي تبحث عن شاب ليس له ماضي مع محمود عبد العزيز في فيلم "البنات عايزة إيه" والبنت الغلبانة المنكسرة التي دهستها الحياة مع عادل إمام في رائعة "حتي لا يطير الدخان"، 105 عمل فني تألقت فيها سهير رمزي.

في الجانب الأخر توجد حكايات من دفتر حياة سهير رمزي، عارضة الأزياء ومضيفة الطيران، بنت الفنانة درية أحمد الذي تقمصت شخصية خضرة الريفية الساذجة والطيبة معا في سلسلة من أفلام الكوميديا في الخمسينات.

 ومن الحكايات الجميلة التي تحكي عن قطعة الآيس كريم، سهير رمزي ماحدث لها أثناء سفرها إلي فرنسا، فهي البنوتة التي التحقت بمدرسة القلب المقدس، المدرسة الفرنسية التي تريرها الرهبات بمصر الجديدة، وقد اختارت لها أمها درية أحمد هذه المدرسة هذه المدرسة لقربها من البيت التي تقيم فيه الأسرة، بالإضافة إلي أن الأم أرادت لوحيدتها أن تتعلم لغة أجنبية تعينها علي تحقيق أحلامها وقد كان حلم سهير الأكبر أن تصبح مضيفة طيران، بل هي مارست هذه العمل فعلا فيما بعد، ولكن لفترة محدودة، فقد خشيت عليها أمها من حوادث الطيران.

وأثناء الدراسة كانت سهير تتفاهم مع زميلاتها ومدرستها بلغة بنات فرنسا، وبعد فترة قدمت استقالتها من العمل كمضيفة طيران، وبعد أن احترفت الفن سافرت بعد فترة طويلة إلي باريس في زيارة عمل مع شريكها وزوجها السابق رجل الأعمال سيد متولي، للاتفاق علي تأسيس الأستديو الخاص بشركتها واضطرتها ظروف التعاقد والتشاور للجوء إلي اللغة التي ركنتها في ذاكرتها، وأخرجت سهير رمزي اللغة الفرنسية من ركن النسيان، وبدأت تسترد طلاقتها السابقة، وتستعيد العبارات علي لسانها، وبكل بساطة انطلقت سهير في الكلام مع أحد المسئولين في فرنسا، ليسألها الرجل الفرنسي.

-من أي بلد من المغرب يا سيدتي؟

-لست مغربية بل أنا مصرية.

قال الرجل بدهشة

-مصرية وتتكلمين الفرنسية بهذا الأتقان.

ابتسمت وقالت:

-هل تجاملني

وأضاف الرجل:

بل هذا هو الواقع.

وأثناء وجود سهير رمزي في فرنسا مع والدتها أحست أمها بألم في كتفها مصحوبا بألام أخري في الصدر.

وسارعت سهير تحمل أمها إلي أقرب مستشفي.

وبعد عمل فحوصات لها قرر الطبيب أن يجري عملية جراحية لأمها، وتحدثت معه سهير رمزي بالفرنسية بطلاقة وفهمت منه كل شيء وبالفعل أجريت لها العملية، ونجحت العملية وجلست سهير بجوار أمها درية أحمد لتنظر لها بسعادة وتقول لها:

-الفضل لك في أنقاذي يا بنتي

وقالت سهير ضاحكة :

-الفضل لك أيضا في أنقاذي

وسألت الأم سهير ماذا تقصدين؟

ردت عليها سهير

-لولا أنك أدخلتني المدرسة الفرنسية لما أمكنني أن اتفاهم مع الأطباء.

 

 


الأحد، 31 أكتوبر 2021

«البرغوث».. قصة الأجر الذي حصل عليه نجيب الريحاني

نجيب الريحاني

 


عماد خلاف 

كان المسرح الكوميدي في الماضي وتحديدًا في عام 1900 وما بعدها قائما على الارتجال، وتقديم الفصول المضحكة المنفصلة في الحفلات وبعض المقاهي في باب الشعرية، وروض الفرج، وغيرها من المناطق التي كانت مشهورة قديمًا، ومن أشهر هؤلاء المضحكين الأوائل «أحمد الفار» الكبير، ومنافسه الذي تغلب عليه وانتزع منه التسمية «الفار»، ويدعي «أحمد فهيم الفار»، ولهذان الكوميديان مقال خاص بهما قريبًا.

نعود إلى حكاية عملة «البرغوث»، التي رواها ودونها إبراهيم رمزي، التي قضى خمسين عامًا بين مسارح القاهرة والفرق الغنائية ممثلًا ومؤديًا، وقد وهب نفسه للمسرح ورصد رواد المسرح الأوائل، وأعمالهم الفنية التي أسعدوا بها الملايين، بالإضافة إلى نماذج من نوادرهم، ومن بين هذه النوادر التي يرويها ودونها، كانت عن نجيب الريحاني وفرقته المسرحية، والتنافس بينها وبين فرقة أمين عطا الله، ومع بداية العشرينيات سافر نجيب الريحاني وفرقته في أول رحلة لها إلى سوريا ولبنان، وقد سبقها دعاية كبيرة، وكانت تضم عناصر مهمة جدًا وممتازة بين صفوفها، من بينهم استفان روستي، ومنسي فهمي، وكلود ريكانو، ومحمد المغربي، وأصلان مراد وعبد اللطيف المصري وأحمد زكي، الكوميديان الكبير، بالإضافة إلى مزراحي وبوسي، وطافت الفرقة سوريا ولبنان شرقًا وغربًا، وللأسف أُستقبل الريحاني بشكل سيء جدًا ولم توفق الفرقة، والسبب يعود إلى وجود فرقة أمين عطا الله ، التي سبقتها إلي لبنان وسوريا، عدة مرات في السنة.

وكانت هذه الفرقة المسماة باسم أمين عطا الله كانت تطوف البلاد وتقدم نفس روايات الريحاني بعد أعدادها باللهجة المحلية، وكان أمين عطا الله يقوم بدور كشكش بك، وعندما قدمت فرقة الريحاني رواياتها باللهجة المصرية كان الجمهور يصرخ، «شوهايدي.. هايدي الريحاني،.. هايدي بيقلد أمين عطا الله، مع أن شخصية كشكش بك تعود إلى الريحاني مكتشفها.

وانتشرت هذه الدعاية السلبية في كل البلاد السورية واللبنانية، مما كان لها تأثيرًا كبيرًا على الإيرادات، وكانت العملة السائدة في هذا الوقت في سوريا، «البرغوث»، وكان الممثلون المصريون يتقاضون مرتباتهم بالبرغوث.

ومن بين المواقف التي يرويها إبراهيم رمزي عن عملة البرغوث، ما فعله الممثل القديم أحمد زكي، وكان معروف في ذلك الوقت بأنه كوميديان كبير، وخفيف الظل وحاضر النكتة، وفي ليلة من الليالي قبض الممثلون مرتباتهم ومن ضمنهم الممثل أحمد زكي، وفي اليوم التالي بعد أن صرف مرتبه طلب «فلوس» من مصطفى إبراهيم مدير الإدارة، فقال له.. فلوس أيه يا سي زكي أنت مش قابض أمبارح، فقال له أحمد زكي، قبضت أيه، أنتم موش اديتوني شوية براغيت، خدتهم من هنا وطاروا من هنا.

وبعد فترة اضطر نجيب الريحاني العودة إلى مصر، بعد أن فشلت الفرقة، وحجزت أماكن للفرقة في الباخرة، وكان لنجيب الريحاني شقيق يدعى يوسف الريحاني، وكان يرافق الفرقة بقصد «الفسحة»، وحدد يوم السفر وحضرت الفرقة في الموعد المحدد، وقبل قيام الباخرة بساعتين لم يحضر أحمد زكي ويوسف الريحاني، ومر الوقت سريعًا، وراح الريحاني يسأل أحمد زكي بعد وصوله إلى الباخرة عن أخيه يوسف، ليرد عليه، «أكله الذئب ونحن عنه غافلون».

 وعادت الفرقة إلى القاهرة بعد الفشل الذريع،  مع أن الفنانين تألقوا حتى يظهروا مواهبهم، إلا أن اللهجة وأمين عطا الله كانا سببا في عدم نجاح الفرقة في جذب الجمهور اللبناني والسوري، ورغم ما حدث خلال الرحلة الخارجية لفرقة نجيب الريحاني، والمعاناة إلا أن المواقف الكوميدية التي كان يسردها الكوميديان أحمد زكي الفنان الأنيق صاحب المنولوج والوردة الحمراء والحذاء اللميع "اللي علي قد الحال"، ولنا عودة للحديث عن هذه الكوميديان القديم الذي أبهر المصريون، قريبًا في مقال نسرد فيه بدايته وأعماله الفنية.


الجمعة، 29 أكتوبر 2021

الملحن الذي نافس سيد درويش وضربه علقة ساخنة

 

فنان الشعب سيد درويش


عماد خلاف

كان من أنبغ ملحني عصره، ومنافسًا قويًا للموسيقار الذي تألق وارتبط اسمه بثورة 1919 فنان الشعب «سيد درويش»، فإذا اختلف نجيب الريحاني مع سيد درويش فلا يسد فراغه سوى «إبراهيم فوزي»، الملحن الذي جاء من الإسكندرية إلى القاهرة بعد أن ضاقت به الدنيا، وهو في عمر الـ 16 عامًا، إلى أن أعجب به فنان يدعي حسين الكافوري وكان يمتلك "تياتروا" من "التياتروات" المتنقلة التي تجوب أنحاء مصر، كما تعرف على الموسيقار كامل الخلعي، الذي أعجب به وقربه إليه وتتلمذ على يديه.

إبراهيم فوزي، الملحن والممثل الذي نافس سيد درويش وكامل الخلعي ودواد حسني في التلحين، بالإضافة إلى قدرته على تقمص الشخصيات والتحاقه بالفرق المسرحية، ورغم منافسته لملحني عصره، وقيامه بتلحين مئات الأغاني للمسرح والسينما والإذاعة إلا أنه عاش مغمورًا ومنسيًا ومهملًا.

وكان لإبراهيم فوزي العديد من المواقف التي تروى عنه، من بينها العلقة السخنة التي تلقها من فنان الشعب سيد درويش، عندما اقتبس منه لحن من ألحانه.

ويحكي فوزي عن تلك الحادثة قائلًا: «قديمًا معروف عن شارع عماد الدين أنه واجهة الفنانين والمبدعين، ويطلق عليه شارع الفن، إذا كان مزدحمًا بالمسارح التي كانت محتشدة بالفرق التمثيلية، وكان من أشهر هذه الفرق فرقة أمين صدقي وعلي الكسار بيتاترو «الماجستيك»، وفرقة نجيب الريحاني بتياتروا «الإجبتسيان».

وكانت المنافسة شديدة بين الفرقتين وكانت الفرقة الأولي تستعد لإخراج رواية «قولوا له» ويلحنها سيد درويش، كما كانت فرقة أمين صدقي وعلي الكسار، تستعد لعمل بروفات لرواية «مرحب» تلحين إبراهيم فوزي.

ومعروف عن سيد درويش أنه دائم التلحين خارج القاهرة، وحتى يتسنى له تلحين الرواية سافر إلى المنصورة وأخذ معه الفنان «فهمي أمان»، وبينما هما سائران في أحد شوارع المنصورة رأى رجلا يبيع الروائح والسبح، وينادي على بضاعته بصوت جميل، ويقول: «بمال مكة بمال المدينة ومال المدينة مال الحجاز»، فأعجب سيد درويش بصوته وطريقة مناداته والنغمة التي ينادي بها، فمشى وراءه مدة طويلة إلى أن حفظ اللحن فقام بكتابته وأرسل فهمي أمان إلى «بديع خيري» ليكتب كلمات علي الوزن الأغنية التي كان يغنيها البائع المتجول.

وبالفعل قام بديع خيري بتأليف كلمات جديدة وكانت عبارة عن «مليحة قوي القلل القناوي» بعد أن أدخل عليها درويش بعد التعديلات عليها، وحضر إلى القاهرة وقام بتحفيظ اللحن لفرقة الريحاني،

مليحة قوى القلل القناوي

رخيصة قوي القلل القناوي

قرب حدانا وخد قلتين

خسارة قرشك وحياة ولادك

ع اللي ماهواش من طين بلادك

ده أبن بلدك ما يبلفكشي

ما تعدموشى ولا يعدمكشى

دمك من دمه ما يفرقكوا شيء

بالصدفة دخل إبراهيم فوزي الملحن ومنافس الشيخ سيد درويش إلى مسرح الإجيبسيان، أثناء البروفة فأعجب كثيرًا باللحن واستساغ الجملة الموسيقية وحفظها وكتب الكلمات الخاصة باللحن وخرج مسرعًا إلى مسرح الماجستيك المجاور لمسرح الإجيبسيان، وقابل أمين صدقي وأعطاه الكلمات ليضع عليها كلمات أخرى تتفق مع رواية كتبها وتم تلحينها، وبينما سيد درويش يشاهد رواية «مرحب» إذ به يفاجأ بنفس الجمل الموسيقية التي وضعها للحن «مليحة قوي القلل القناوي» لإبرويت "قولوا له"، وهنا ثار سيد درويش وخرج مسرعًا للبحث عن إبراهيم فوزي في شارع عماد الدين ومقاهيه.

وبعد "لف ودوران" أخيرًا وجده، جالسًا في مقهى «أوستراليان باروكان» ساعتها أمام مسرح الماجستيك فأمسك به وألقاه على الأرض وأشبعه ضربًا ورفسًا».

ومن أغرب الأمور أن يستمر تقديم رواية «مرحب» 6 شهور على التوالي أمام رواية «قولوا له» الذي لم تتجاوز الثلاثة أسابيع .

لحن إبراهيم فوزي ما يقرب من 200 مونولوج، من بينها «يا خولي الجنينة» ويا «مهلبية» لمحمود شكوكو، «ويا حالا بالا هنوا أبو الفصاد هيكون عيد ميلاده الليلة أسعد الأعياد»، بالإضافة إلى تلحينه لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، فقد جمع بين التأليف والتلحين والغناء، وخفة الظل وكانت الابتسامة لا تفارقه أبدًا.

ومن نوادره أيضًا أنه كان يعمل بفرقة الكسار بالإسكندرية ممثلًا ومعه زميله الفنان محمد أدريس بمسرح الهمبرا، ولظروف انتهت الحفلة في وقت متأخر وفي منتصف الليل ذهب الزميلان "أدريس، وإبراهيم"، للبحث عن طعام العشاء، فلم يجدا سوى رجل يبيع الكبدة، فأخذ كل واحد منهما رغيف وبقرشين كبدة، وتناولا طعامهما في الطريق علي الماشي، ولكن الكبدة كانت كأنها كاوتشوك، فقال أدريس.. إيه الكبدة دي يا إبراهيم؟

فقال له .. دي كبدة أبريل.

وفي إحدى الحفلات كانت فرقة يوسف عز الدين تقدم رواية العمدة، وكان يوسف يمثل دور العمدة، وإبراهيم فوزي يتقمص شخصية شيخ الغفر وأثناء الحوار، قال العمدة لشيخ الغفر، يا هريدي عليَّ بالغفر، وكانت ضحكات الجمهور عالية، فقال له عز الدين، تفضل أنت ضحك الناس وبلاش أحنا سي إبراهيم.

رغم كل هذا ظل إبراهيم فوزي منسيًا، لا يعرفه الكثيرون رغم أنه ترك وراءه العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية الكثير، وعلينا أن نتذكره فقط في مشهد «نيرون وهو يحمل الفانوس» في أغنية «العقلاء» بفيلم «المليونير» لإسماعيل يس،  بالإضافة إلى تأسيسه عام 1943 أول نقابة لـ «العوالم» تضم كل الفنانات التي تقمن بإحياء الأفراح لتصبح بعد مرور الوقت أول تجمع للفنانين والمطربين والممثلين، ليظل إبراهيم فوزي أحد رواد التلحين في مصر والوطن العربي، ولكنها الشهرة الملعونة التي تلتقط اسمًا وتترك الآخر مع أننا لو بحثنا لنجد الكثير من عينة فوزي الذي ظلمته الشهرة وتركته وحيدًا.


الخميس، 21 أكتوبر 2021

إسماعيل يس والمشير



إسماعيل يس

 

عماد خلاف 

لن يعود إسماعيل يس إلى الحياة مرة ثانية لينسج من جديد كوميديا قادرة على رسم البسمة على وجوه الجميع، لكنه بكل تأكيد سوف يظل عملاقًا قادرًا على تلوين حياتنا بالضحك، الكل حاول ركب الموجة، لكنهم سقطوا، كل من جاءوا بعده حاولوا مرارًا، وتبقى الحكايات التي تروى عنه خير دليل على أنه عملاق من عمالقة الكوميديا في الوطن العربي.

من بين هذه الحكاوي، التي لا تحصى عندما روى إسماعيل يس معاناته اليومية، التي استمرت لشهور طويلة مع المشير عبد الله السلال الرئيس اليمني، حيث كان يرقد مريضًا في مستشفى المواساة بالإسكندرية، وظل يسافر يوميًا ما بين القاهرة والإسكندرية، وكانت العربة تنتظره يوميًا بعد انتهاء العرض المسرحي في القاهرة، لتنقله إلى حيث يرقد المشير السلال بالمستشفى، ولا يهمه إذا كان إسماعيل يس نام في الطريق أم لا، المهم أن يهون عليه المرض ويجلس بجواره ويلقي عليه بعض النكات، ومعروف عن إسماعيل يس أنه كان يؤلف النكت والقفشات لنفسه، وكان دائم الخروج عن النص في مسرحياته، إلا أن الغريب في أمر المشير السلال، كان يطلب من إسماعيل يس أن يردد نكته واحدة كل ليلة بشكل دائم ومستمر دون تغيير، وكان إسماعيل يضيف بعض الحركات مع تعبيرات «البوق» الذي كان يتميز بها خلال مشواره الفني، ورغم التكرار كان المشير يضحك كل ليلة حتى مل إسماعيل وزهق ولم يزهق المشير.

وظل عذاب إسماعيل يس اليومي مستمر في تكرار النكتة الواحدة أكثر من مرة، ويضيف تفاصيل وحركات من عنده، واقترح إسماعيل أن يسجل النكت على شريط يسمعه المشير حتى لا يسافر من القاهرة إلي الإسكندرية كل ليلة، ورفض المشير السلال، لماذا؟ قال: إن إسماعيل يس عندما يحكي النكتة فإنه يتحرك، كل شيء فيه يتحرك دماغه، وفمه ويداه، وأهم من كل ذلك كرشه.

ويحكي إسماعيل أنه قرر ألا يذهب بلا نكت قديمة ولا جديدة حتى جاءه أحد ضباط الأمن وقال: الرئيس عبد الناصر يرجوك أن.. وقبل أن يكمل ضابط الأمن عباراته رد عليه إسماعيل يرجوني الرئيس يا خبر أسود.. دا أنا أروح عريان ملط يا راجل.. وإذا السلال لم يضحك، فحسب بل فتح فكيه، وحشرت النكت في حلقه حتى يموت من الضحك.

وظل إسماعيل على هذه الحالة حتى فوجئ بكبار المسئولين في دولة اليمن يستقبلونه بحفاوة بالغة، وردد المشير عبد الله السلال الرئيس اليمني عبارات يثني فيها علي إسماعيل قائلا: أنت لا تعرف يا أخ إسماعيل، وأنا قلت هذا الكلام لفخامة الرئيس عبد الناصر، أنه من فضل الله أن خلق لنا إسماعيل يس، فلولاه لكانت حياته كئيبة، وربما حياة كل المصريين والعرب، وأن أعرف أنني قد أرهقتك كثيرًا، وأجدد شكري العميق وامتناني لك، وأرجوك وأتوسل إليك ولأخر مرة أن تقول النكتة التي حكيتها لي مائة مرة فلم أتوقف عن الضحك.

فصرخ إسماعيل: يا نهار أسود يا مشير.. نفس النكتة.

أرجوك.

هذه الحكاية رواها ودونها الكاتب الكبير أنيس منصور، وكان معروفًا عنه أنه غاوي مقالب في زملائه الصحفيين، وكان على علاقة قوية بإسماعيل، وكان يألف النكت ويقولها له حتى يلقيها إسماعيل على المسرح، بالإضافة إلى علاقته القوية بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يعشق إسماعيل يس لدرجة كبيرة، ويؤمن بأهمية الفن والفنانين وقدرتهم على التأثير على المواطنين في الوطن العربي، لذلك أمر وزير الثقافة في ذلك الوقت بعمل مجموعة من الأفلام الكوميدية التي تحبب المواطنين في قواتنا المسلحة، وخرجت مجموعة كبيرة من الأفلام التي أخرجها فطين عبد الوهاب، إسماعيل يس في الجيش، وإسماعيل يس في الأسطول، وغيرها.

لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة الملايين ولا من ذاكرة الأجيال الماضية ولا القادمة، البهجة التي رسمها الفنان "العملاق إسماعيل يس" وأشاعها في حياتنا جميعا.

 


الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

نجيب الريحاني يحاور الموت ويهرب من عزرائيل بسبب سيجارة

 

نجيب الريحاني


عماد خلاف

من بين المواقف التي لا ينساها ملك الكوميديا نجيب الريحاني، ويحكيها عن نفسه بشكل دائم ومستمر ما كتبه  في 6 يناير من عام 1947، بجريدة الاثنين والدينا، وتحديدا في العدد رقم 656، عندما تذكر ما حدث له في ليلة غابرة، وأصيب بالسعال وظل يعاني من المرض طيلة ساعات الليل، واقترب منه الموت بعد أن شرب سيجارة، فتحولت ليلته إلي جحيم لولا أن جاءت الخادمة، لتراه مكورا في ركن الغرفة، بعد أن أصيب بالأعياء الشديد جراء السيجارة الملعونة.

وكانت مجلة الاثنين والدينا يطلبون من الفنانين أن يسجلوا بأيديهم حكايتهم بعيدا عن المسرح والسينما، ومن بين هذه الحكاوي ما كتبه نجيب الريحاني قائلا:

لم تكن لي مع المرض معاملات ولا استلطافات من قبل ولو أنه كان يتحفني أحيانا برسل خفيفة كنت ألقاها ضاحكا غير مكترث، ولكن لم ألجأ إلي الحكمة الطبية في يوم من الأيام، خوفا من فأل الذي قال:

"من عاش بالحكمة مات بالحكمة"، وذات ليلة صباحها أغبر، وجدتني وحدي أعد نجوم الليل مكرها لا بطل، إكراما لقدوم عاصفة هوجاء من السعال، وطلع النهار فوجدني صاحيا أول الناس، فأنا لم أنم قط، ومضيت أقاوح وأعمل لنفسي قهوة الصباح، فأذا بي أشعر أنني أثقل من اللازم، في الجسم لا في الدم طبعا، وشعرت علي أثر نوبة من السعال، أن أنفاسي غصت في حلقي ، فلا تريد الطلوع ولا النزول.

وقلت لنفسي وقد غازلني طيف الموت "رحت يا أبو الكشاكش في تنشيقة هوا، وعدت أجادل وأصاول فأشغلت سيجارة من غير وعي، أو لعلي نسيت أن هذا هو الداء الذي قرب عزرائيل من ساحتي، وكادت تكون أخر سيجارة في العمر.

سلمت نفسي ووجدتني وجها لوجه مع عزرائيل الذي جاء يشن علي حربا بلا هوادة فيها وليس لي علم هل أخرج منها منتصرا ظافرا أو لا أخرج منها قط.

ورأيت في تلك الساعة كأني أعمل بروفة لقيام الساعة فقد كان الموت يواجهني عيانا جهارا وهو يحاورني، ويمد يده البغيضة لينتزع روحي.

عرفت وغرقت وكادت الروح أن تفارق قواعدها، لولا أن أرسل الله لي خادمتي، فهالها أمري، وأفقت بعد ذلك فوجدتني أحاول القيام متناسيا حكاية ماحدث، فأذا بي عيان وعيان فعلا، وجاءني أطباء بين مختص وغيرهم، فكان كشف أحدهم طويل المدي، طالبني بعدها أن أسكن المستشفي حالا بالا.

وقد أجمعت حجج الأطباء علي أن المتهم في هذه القضية هو السجاير، فانتفضت واقفا لأهتف بسقوطها، ولا عجب فقد خيرت بين إبطال السجاير، أو إبطال الحياة، فاخترت أن أفوز بالحياة، فهي ممكنه بغير سجاير وأما السجاير فهي غير ممكنة أبدا بدون حياة.

نجيب الريحاني تاريخ طويل من المسرح الكوميدي، ويعتبر أحد أهم الممثلين التي قامت علي إيديهم حركة مسرحية، جاء إلي الدينا في 21 يناير 1889 ورحل عنها في 8 يونيو 1949، بعد تاريخ حافل علي خشبة المسرح وقدم 55 مسرحية، وشارك في 17 فيلم، وأنتج 2 فقط وتم إخراج مسرحية ريا وسكينة في عام 1922، بينما شارك في كتابة فيلم لعبة الست عام 1946، وبطولته، وسلامة في خير، وسي عمر، والستات ما يعرفوش يكدبوا، وفيلم حسن ومرقص وكوهين، وفيلم غزل البنات عام 1949 ليكون أخر فيلم يشارك فيه نجيب الريحاني العبقري، وألف فيلم 30 يوم في السجن، وإلا خمسة، وحكاية كل يوم، والعائلة الكريمة، والسكرتير الفني، وغيرها من الأفلام والمسرحيات التي شارك في تأليفها مع المبدع بديع خيري.


الاثنين، 18 أكتوبر 2021

الحرب الباردة.. بين فايزة أحمد ونجاة الصغيرة

فايزة أحمد.. نجاة


عماد خلاف 

كان الجميع في الوسط الفني يعلم جيدا أن هناك حالة من عدم الوفاق والتوافق والحب بين المطربة نجاة الصغيرة وفايزة أحمد، وكل واحدة منهن كانت تلاحق الأخري بالإشاعات، وتحت عنوان هات تشنيعة علي  فايزة أحمد وخد ربع جنيه من نجاة الصغيرة، قامت أحدي المجلات الفنية بعمل تقرير عن العلاقة بين المطربات الكبيرات، نجاة وفايزة، وسردت المجلة الحكاية من أولها وكتب المحرر أخيرا ظهرت الوجوه سافرة تكشف حقيقة المشاعر المتبادلة بين المطربتين نجاة وفايزة وكانت كل منهما تتحاشي الأخري، وترفض الأفصاح عن شعورها الحقيقي، أو تشير إلي الود المفقود الذي تحمله لزميلتها، وكانت نجاة الصغيرة شديدة الحرص علي أن تتجنب مقابلة فايزة أحمد وجها لوجه منعا للإحراج.

ولكن الجميع من الوسط الفني كانوا يعلمون الحقيقة، كانوا وما زالوا يعرفون رأي فايزة أحمد في نجاة الصغيرة، ويعرفون الأحاديث وحملات التشنيع التي تشنها نجاة الصغيرة علي فايزة أحمد، ورغم أن المطربة نجاة معروف عنها إيمانها الشديد بالمثل الذي يقول "القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود" كانت تدفع 25 قرش لكل صديق يقول نكته أو تشنيعة علي فايزة أحمد، بل أنها دفعت جنيه كامل علي التشنيعة التالية، طلبت فايزة أحمد من أحد المؤلفين أن يؤلف لها أغنية عن "الضني" وسألها المؤلف عن معني كلمة "الضني" فأجابت فايزة بمعني الولد، وعللت فايزة هذا المعني بأن الأم أي أم تفادي ولدها دائما "يا ضناي" أي يا ولدي، ومعني التشنيعة واضح لكل أذنين.

ولم تكتف نجاة بذلك بل راحت تنشر هذه التشنيعات في الأوساط الفنية علي ألسنة بعض الموسيقين، وأصبح مألوفا في المجتمعات التي يلتقي فيها الموسيقين أن تسمع أحدهم يقول سمعت أخر أخبار فايزة أحمد.

ويسأله زملاؤه بصوت واحد إيه..

ويبدأ الموسيقين في سرد تشنيعة جديدة عنها من أعداد ونشر نجاة الصغيرة.

فكانت تفاصيل هذه التشنيعات والنكت تصل إلي فايزة أحمد فتثور وتغضب وتهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور عندما تلتقي بنجاة، ولكن نجاة كانت حريصة إلا تواجه فايزة وجها لوجه.

وحاول الموسيقار محمد عبد الوهاب مرة أن يصلح ما بينهما، خصوصا بعد أن أتهمته فايزة أحمد بأنه يساند نجاة ضدها، ويرحب بالسهرات في بيته لسماع أخر التشنيعات عنها، فدعاهما إلي العشاء، وحضرت فايزة أحمد مع زوجها محمد سلطان، في الميعاد المحدد، وجضر جميع المدعوين، وظلوا في انتظار نجاة قرابة ساعة كاملة، وبعدها رن جرس التليفون، وإذا بالمتحدث سامي، شقيق نجاة الصغيرة يحمل إليهم نبأ أصابتها بأزمة حادة في الكلي، ويرجو الجميع أن يسعفوها بالعلاج، وفهمت فايزة اللعبة أو المقلب وأنصرفت هي وزوجها.

وكانت فايزة أحمد تقول أنها لن تلجأ إلي أسلوب نجاة الصغيرة في المقالب والتشنيعات بل سوف تضربها بأيديها.

كما انتقلت الحرب الباردة بين فايزة ونجاة إلي الحفلات، وكانت فايزة تقيم حفلاتها شهرية ينقلها التلفزيون والإذاعة وقد حاولت نجاة أن تتجه إلي هذا اللون من الحفلات، وتعاقدت مع متعهد حفلاتها "يوسف قمييز" الذي استأجر سينما رمسيس لتغني فيها نجاة ولكن الجمهور لم يقبل علي هذه الحفلات الأمر الذي جعل نجاة تدفع من جيبها حوالي مائتي جنيه لتغطي نفقات الحفلة حرصا علي سمعتها، وكانت نجاة بعد ذلك تكتفي بأن تكون فقرة ضمن فقرات أي حفلة.

وظلت الحرب بين فايزة أحمد ونجاة الصغيرة مستمرة سلاحها الإشاعات السوداء والتشنيعات المتبادلة بين الطرفين المتخاصمين.


الخميس، 14 أكتوبر 2021

هل رأيت محمد عبد الوهاب ناقداً من قبل؟

 

سيد درويش ومحمد عبد الوهاب

عماد خلاف

مات  فنان الشعب سيد درويش صغيرا لكنه ترك وراءه أرثا كبيرا من المقطوعات الموسيقية التي تؤكد علي موهبته الفذة، واعتبره الكثيرون أبا للموسيقي، وأحد أهم الموسيقين في القرن الماضي، لم يمهلهم القدر طويلا أن يبدعوا مع بعضهم البعض  سيد درويش ومحمد عبد الوهاب نظرا لوفاة الأول في عام 1923 وعبد الوهاب لازال في مطلع العشريينات من عمره، ورغم موته في سن مبكرة لكنه ثار علي القديم وترك لنا مقطوعات موسيقية خالدة.

 في عام 1921 اختار الشيخ سيد درويش موسيقار الأجيال ليقوم بدور البطولة بدلا عنه في أوبرايت شهرزاد نظر لمرضه، وعن العلاقة بين فنان الشعب وبين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب كتب  في مجلة الكواكب مقالا أبرز فيه عبقرية فنان الشعب قائلا:

مما لاشك فيه أن المرحوم الأستاذ الشيخ سيد درويش هو أول من وضع أسس النهضة الأولي للموسيقي المصرية، هذه حقيقة لا يمكن اغفالها والتاريخ يسجلها له معتزا فخورا ونقررها نحن معترفين بفضله وأثره.

أن سيد درويش كان أول من لفت العقل إلي المعاني في المقطوعات الغنائية المؤلفة، أعني أنه فهم المعني كلاما وأحاله إلي كلام منغم يطابق كل المطابقة ما يرمي إليه الكلام المؤلف.

ويسترسل محمد عبد الوهاب في شهادته عن فنان الشعب سيد درويش قائلا: لقد كان الغناء قبل سيد درويش لا يحتفل بالمعاني، وكنا نسمع غناء هو مجرد أظهار المغني ومقدرته بحركاته الصوتية في أداء النغمات وما كان هناك ما يلفتنا إلي المعاني في التأليف الكلامي.

ولكن سيد درويش نفض عن نفسه هذا القيد، وأرادت طبيعته المبدعة الثائرة أن تستحدث ألوانا جديدة في الغناء تغاير ما كان عليه لون الموسيقي في ذاك الوقت، فبدر أول ما بدر ألحانا تعبر بالموسيقي عن معاني الكلام كل التعبير، فنحن نحس بأحساس الجماعة حين نسمع أغنية "السقائيين، نحن أننا في غمار جماعة السقائيين حقيقة، وكانت نغماته كأنها تنبع من قلوب هذه الطائفة.

أن سيد درويش اتجه نحو الطوائف الشعبية المختلفة، فوضع لها في غنائه تعبيراتها واصطلاحاتها كان غناؤه ينبض بالعواطف التي تجيش بها صدور العمال والزراع والحمالين وغيرهم، لم نكن نسمع ألحانا تعطي صورة عن مقدرة الصوت في الحركات، ولكنا كنا نلمس عواطف الجماعات الشعبية حية تزخر بها ألحان سيد درويش.

ويكمل محمد عبد الوهاب مقاله عن سيد درويش مبرزا الصور العاطفية والحية لهذه الطوائف الشعبية مؤكدا أن سيد درويش من الناحية أول من صور المعاني العاطفية والحسية وأبرز أبرازا دقيقا أجواء هؤلاء الذين حفل بهم انتاجه الموسيقي من الطوائف الشعبية، وكأنه واحد منها هذه أبرز صورة فنية في الأطار اللحني لانتاج سيد درويش، ولكن لو امتدت حياة الموسيقار الراحل الخالد إلي الأن، فيكف كان يصل برسالته الفنية التي أمن بها وأفني نفسه في سبيل تحقيقها.

ويسترسل موسيقار الأجيال مشيرا إلي أننا في الشرق تأثرنا بأساليب الغرب، فملابسنا ونظمنا ومعظم تقاليدنا الأن تسير علي الأسلوب الغربي الذي سيطر علي حياتنا ومظاهر نشاطنا الاجتماعي والفني، ولا ضرر في هذا فالتأثر بالاتجاهات الأجنبية ومسايرة موكب النهضة العالمية شيء تحتمه سنة التطور.

وهكذا وجدنا اتجاها عاما جديدا فسرنا معه، ولبينا نداءهم وأدخلنا أساليب جديدة علي موسيقانا واقتبسنا من الغرب لنطعم انتاجنا الموسيقي، ولكن ليس معني هذا الاقتباس أن نحطم روحنا وجوهرنا ونتخلي علي طابعنا الشرقي.

علينا أن ندخل في الموسيقي الشرقية آلات جديدة نأخذها عن الغرب، لتعاون علي أداء الأنغام وأبرازها بشكل أوفي، وعلينا أن ندخل في ألحاننا أنغاما جديدة، وأن نلجأ إلي التوزيع الموسيقي، وأن نترجم بالموسيقي عن عواطفنا الأصيلةن فتكون مخلوقا شرقيا صميما وأن بدت في ثبات غربية.

ولقد قلت أن سيد درويش ثار علي التقليد واختط لفنه طريقا جديدا لم يسبقه إليه أحد فهو مبتدع لا يقبل أن يقبس أسلوبا واتجاها، ولا يقبل أن يطعم انتاجه الموسيقي بأي أسلوب أو اتجاه سبق لغيره أن طرقها، لهذا يصعب علينا أن نقرر قبول سيد درويش للاقتباس الفني لو كان حيا إلي اليوم.

وكانت عبقرية سيد درويش تظهر في روعتها عندما يلحن الكلام المكتوب فيصور ما فيه من المعاني ويضفي عليها الجو الملائم لها، ولهذا برع في تلحين الروايات المسرحية الغنائية، فلو عاش إلي اليوم، لحمل لواء المسرح الغنائي، وأقام نهضة رائعة للأوبريت، فقد كان هذا موضعه الصحيح الذي يتفق مع مقدرته ومواهبة.